الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                الركن الثاني : العوض ، وفي الجواهر : شرطه أن يكون دينا منجما ومؤجلا ، قال ابن القصار في تعليقه : التأجيل والتنجيم ظاهر قول مالك وشيوخنا ، وقال القاضي في الإشراف : ليس عن مالك نص صريح في الحالة وأصحابه يجيزونها ، وهو وأصحابنا جوزوا الحالة ، وقاله ( ح ) ، وقال ( ش ) : لا بد من نجمين ، وتقدم البحث في الركن الأول .

                                                                                                                وفي الركن سبعة فروع :

                                                                                                                الأول : في الكتاب : يجوز على وصف حمران أو سودان من غير وصفهم ، وله الوسط من ذلك الجنس كالنكاح ، ووافقنا ( ح ) وابن حنبل ، وقال ( ش ) : لا بد من ذكر أوصاف السلم . لنا أن العتق معنى لا يلحقه الفسخ فجاز أن يكون العبد المطلق عرضا كالغرة . احتجوا : بالقياس على البيع والإجارة .

                                                                                                                وجوابه : الفرق بأن الكتابة مبنية على المسامحة ، لأنه بيع ماله بماله ، ومقصودها المهم : العتق فلا يضر الغرر في المالية بخلاف البيع ، مقصوده : المالية والمكايسة ، وفي الكتاب : إن أوصى أن يكاتب عبد كوتب بكتابة مثله في أدائه ، وإن كاتبه على قيمته جاز وينجم عليه الوسط من قيمته ، ومنعه ( ح ) للجهالة .

                                                                                                                لنا : القياس على الوصف أو لأنها معلومة غالبا ، ويجوز على عبد فلان بخلاف النكاح ; لأنه لا يجوز خلوه عن العوض ، بخلاف العتق ، ويمتنع على لؤلؤ غير موصوف لتفاوت الإحاطة بصفته . في التنبيهات : قيل قوله : في اللؤلؤ مخالف لجواز السلم فيه ، والفرق : أنه في السلم يوصف ، وهاهنا غير موصوف فيتعذر ضبط وسطه لاختلاف أجناس وسطه ، وأيسر تفاوته عظيم ، بخلاف الوصف أو سوى غيره بينهما ، واتفق جماعة منهم إذا لم يسم عدد [ ص: 253 ] اللؤلؤ أو وزن جملته امتنعت الكتابة ، واختلفوا إذا لم يسم عدد الوصف ، فقيل : تمتنع الكتابة ، وقيل : تجوز وله كتابة مثله وصفا ، قال ابن يونس : إن لم يصف الجنس وفي البلد سودان وحمران من غير غلبة أحدهما : أعطى النصف من كل جنس كالنكاح ، قال بعض أصحابنا : إذا لم يذكر عدة الوصف فله عليه كتابة مثله وصفا ما لم ينقص عن وصفين ، وكذلك قول غيره في اللؤلؤ ما لم ينقص عن لؤلؤتين ، وجعله مثل ما إذا أوصى أن يكاتب ولم يسم ما يكاتب به ، وقيل : لا يجوز ذلك في الصحة ، ويجوز في الوصية لتعذر مراجعة الميت في إرادته .

                                                                                                                وفي الكتاب : إن كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلا ، نجمت عليه ، وشأن الكتابة : التأجيل ، وكذلك إن أوصى أن يكاتب بألف درهم ولم يضرب أجلا . ومن هاهنا قيل : إن ظاهر المذهب منع الكتابة الحالة ، قال سحنون : وإن كاتبه على عبد فلان ، ولم يصل إليه فعليه قيمته ، ومنعه أشهب للخطر وتفسخ الكتابة ، قال محمد : وإن لم يشترط ودى قيمته ولا يفسخ ، وقال ابن ميسر : لا يتم له شيء إلا بعبد فلان ، كما قال ابن القاسم إذا كاتبه على عبد آبق أو بعير شارد ، ولم يأت به فقد عجز ، قال اللخمي : وكره أشهب البعير الشارد ونحوه ، وقول ابن القاسم أحسن ; لأن له انتزاع ذلك منه بغير عتق فإذا أعتقه عليه فقد تفضل عليه ، وجوزها ابن القاسم على إتيانه بعبده الآبق ; لأن له إجباره على طلبه ، ويجوز على أن يغرس أرضه وديا فإذا بلغت فهو حر ، واختلف في هذا الأصل هل هي كتابة فتثبت عند الفلس والموت أو عدة فتبطل ؟ قولان لابن القاسم ، ومنه : تربية البقر حتى تسير عددا كذا ، وإذا كاتبه بقيمته قوم بالحال ; لأنه أصل القيم ثم ينجم وإن سمى النجوم ولم يسلم ما يؤدي فيها ، جعل عليه ما يستطيعه .

                                                                                                                الثاني : في الكتاب : إن أعتق بأداء العبد الموصوف فوجد معيبا رده واتبعه بمثله ، ولا يرد العتق ، وكذلك النكاح ; لأن العبد في الذمة ، وإن كاتبه على طعام [ ص: 254 ] مؤجل فله مصالحته على دراهم معجلة ، ولا يبيعه من أجنبي ; لأنه بيع الطعام قبل قبضه ، ويجوز فسخ العين أو العرض حل أم لا في عرض نقدا أو مؤجلا مخالفا للعرض الذي عليه أو من صنفه ، بخلاف البيوع ; لأنه فسخ دين في دين ، ولا تبعه من أجنبي إلا بثمن معجل ، ويجوز أن يضع عنه ويتعجل أو يؤخر ويزيدك ، وتفسخ الدنانير في دراهم إلى أجل ، ويعجل عتقه لأنها ليست بدين ثابت ، لأنه لا يحاص بها في الفلس ولا الموت ، وإنما هي كمن قال : إن جئتني بكذا فأنت حر ثم قال : إن جئتني بأقل فأنت حر ، ولك مقاطعته بما عليه في عمل يعمله أو حفر بئر طولها كذا .

                                                                                                                فائدة : في التنبيهات : القطاعة بفتح القاف وكسرها ; لأنه قطع طلب سيده عنه بما أعطاه أو قطع له بتمام حريته بذلك أو قطع بعض ما كان له عنده ، وجوزها مالك بما يجوز بينك وبين غريمك عجلت العتق بذلك القبض ، أو أخرته بتأخير بعضه عجل قبض ما قاطع عليه أو أخره ، ومنعها سحنون إلا ما يجوز بينك وبين غريمك الأجنبي ، وقاله ( ش ) قياسا على البيع .

                                                                                                                فائدة : الفعالة بفتح الفاء : السجايا الخلقية كالشجاعة والفسالة والنجابة ، وبكسرها : الصنائع كالنجارة والخياطة والصياغة ، وبضمها : لما يطرح كالنخالة والفصالة والنحالة والزبالة ، وهذه الاستعمالات لغة لكثرته غير مطردة ، والقطاعة : هي بيع الكتابة بشيء آخر فهي نحو من الصناعة والتجارة ، فالكسر فيها أنسب ، قال ابن يونس : قال سحنون : إذا كانت القطاعة يعملها سيده امتنع ; لأن كل خدمة تبقى بعد عتقه فهي ساقطة ، وإن كانت عليه دينا عاش أو مات جازت ، تعجل العتق وإلا امتنع وكان دينا بدين ، وقد كره مالك الربا بين العبد وسيده ، قال ابن القاسم : وإذا أحل لك مكاتبك بالكتابة على مكاتب له ، وله عليه [ ص: 255 ] مثل ما على الأعلى امتنع إلا أن يثبت أخت عتق الأعلى ، فإن عجز الأسفل كان رقا لك ، ولا يرجع على المكاتب الأعلى بشيء ; لأن الحوالة كالبيع وقد تمت حرمته ، ومنع ابن القاسم الحمالة بالكتابة إلا على تعجيل العتق ، وأما الحوالة على من لا دين له قبله فيمتنع ; لأنها حمالة أو على من له عليه دين حال أو لم يحل جاز إن حلت الكتابة ويعتق مكانه ، وكذلك إن حل عليه نجم ويبرأ من ذلك النجم ، وإن كان آخر نجومه عتق مكانه ، وإن لم يحل النجم لم يحل امتنعت الحوالة وإن حل الدين ; لأنه فسخ دين لم يحل في دين حال أو لم يحل ، وكره مالك بيع الكتابة من أجنبي بعرض أو غيره إلى أجل ; لأنه دين بدين ، ووسع فيه بينك وبين مكاتبك ، وجوز أشهب الحوالة وإن لم تحل الكتابة ويعتق مكانه ; لأنها ليست بدين ثابت ، وكأنه عجل عتقه على دراهم نقد ومؤجلة ، والكتابة دنانير لم تحل ، فمن قال : إن جئتني بدراهم فأنت حر ثم قال : إن جئتني بعشرة دنانير فأنت حر ، وإنما كرهه ابن القاسم فيما لا تعتق به كله مكانه .

                                                                                                                الثالث : في الكتاب : إن كاتبه على خدمة شهر جاز عند أشهب ، ولا يعتق حتى يخدم شهرا لأنه ظاهر الشرط ، وقال ابن القاسم : إن عجل عتقه على خدمة شهر بعد العتق بطلت الخدمة وهو حر ; لأنه استثنى من الحرية الخدمة ، والحرية لا يستثنى منها وكما لو قال على أن أطال ، وإن أعتقه بعد الخدمة لزمت العبد الخدمة لوقوعها في زمن الرق ، وكل خدمة اشترطها بعد أداء الكتابة بطلت أو في كتابة فأدى الكتابة قبل تمامها سقطت ، في النكت : قال بعض شيوخنا : إذا كاتبه على خدمة شهر لا يختلف ابن القاسم وأشهب إلا في وجه واحد : إذا عجل قيمة الخدمة فيتعجل عتقه عند أشهب كتعجيل الكتابة ، ولا [ ص: 256 ] يتعجل عند ابن القاسم ، قال بعض شيوخنا والمكاتب إلى مدة يخدمها معلومة : له حكم المكاتب ; لأن المعتق إلى أجل لإشعار لفظ الكتابة بإرادة السيد لذلك فيجوز ماله ، وينفق عليه نفسه ، وقوله : إذا عجل الكتابة سقطت الخدمة : إنما يصح في الخدمة اليسيرة ; لأنها في حيز التبع ، فإن كان الأقل مالا والأكثر خدمة فلا .

                                                                                                                قال ابن يونس : إذا ادان ، له حكم مكاتب لا المعتق إلى أجل ، ينبغي أن يكون له التعجيل قيمة الخدمة ، وإنما يمتنع إذا قال : اخدمني شهرا وأنت حر ; لأنه معتق إلى أجل ، قال مالك : وإن كاتبه وشرط عليه أسفارا وضحايا فأدى الكتابة وعجل الضحايا عتق وسقطت الأسفار ، وعنه : إذا لم تحل الضحايا ، وعجل قيمتها عتق والقيمة على أنها حالة ، وعن ابن القاسم : إن شرط عليه خدمة أربعة أيام كل أسبوع مدة الكتابة فقط ، والأضحية ما عاش لزمه ، فإن أدى الكتابة قبل محلها أو بعده سقطت الخدمة ، ويعمر المكاتب ، وتؤدى قيمة الضحايا في تعميره معجلة ، ولا يعتق حتى يؤديها قاله مالك ، وقال ابن القاسم : يؤدي القيمة حالة إلى أجلها ، قال ابن القاسم : وإن شرط أن لا يخرج من خدمته حتى يؤدي لا يفسخ بذلك ، ولزم الشرط ، قال محمد : سقطت الخدمة إذا بقيت بعد الأسفار ; لأنها بقيت من الرق وقد أمر الشرع بتكميل العتق على معتق بعضه حتى لا يبقى فيه شيء من الرق ، إلا أن يشترط العتق بعد أداء الخدمة والأسفار فيلزمه ولا يعتق حتى يفعل ذلك أو يعجل قيمته ، وعن مالك : ابن لي هذه الدار وأنت حر ، فمرض فله أن يأتي بمن يبني وإن كره السيد ، قال أحمد بن ميسر : هذا في العمل المفهوم كالبناء بخلاف الخدمة إلا أن يرضى السيد ; لأنه معتق إلى أجل . قال ابن يونس : التفرقة التي في الثلث بين الخدمة اليسيرة وغيرها : مخالفة للتعليل محملة ببقاء الرق فإن الرق يكمل [ ص: 257 ] حريته ، وإن بقي الأكثر ، قال اللخمي : إن كاتبه على خدمة هذا الشهر فمرض أو أبق لم يعتق بخلاف المعتق إلى أجل ; لأنه مكاتب لم يؤد ما عليه ، فإن أعطى قيمة ذلك الشهر عتق استحسانا ، وإن قال : على خدمة شهر فمرض بعد العقد شهرا على سنة الكتابة فإن اعترفت أنه أراد تعجيل العتق عتق وسقطت الخدمة ، وفي الموازية : إذا اشترط مع المال أسفارا فأدى ، لا يعطيه مكان الأسفار شيئا ، وعلى هذا يعطيه قيمة الخدمة .

                                                                                                                الرابع : في الكتاب : إن كاتب على ألف على أنه إذا أدى وعتق فعليه مائة جاز ، كمن أعتقه على أن عليه مائة ، قال ابن يونس : قال محمد : وسعه بالمال ، ولا يحاص به الغرماء ، قال سحنون : قول مالك : أنت حر وعليك أو أنت حر على أن عليك ، سواء ، وهو حر وعليه ما سمي ، وقال ابن القاسم : يخير العبد في : على أن عليك في العتق والإتباع بذلك أو يبقى رقا .

                                                                                                                الخامس : في المقدمات : يمتنع بالغرر والمجهول إلا أن يستخف فإن كان حقهما أو حق السيد نحو الكتابة إلى موت فلان بكذا ، أو إلى أجل معلوم بالشارد والآبق ، أو جنين في بطن أمه لفلان فيمتنع اتفاقا ، أو في حق المكاتب خاصة كالمكاتبة إلى معلوم على عبد فلان ، أو يأتيه بعبده الآبق ، أو : إن بلغت البقرات كذا إلى أجل كذا فقولان : الجواز لابن القاسم ، والمنع لأشهب ، وأما إن كان الآبق للعبد وبدأ إليه منه الآن فهو حر ، والآبق للسيد وجده أم لا ، لأنه أعتقه وانتزعه منه .

                                                                                                                السادس : قال البصري في تعليقه : إذا كاتبه على ميتة ، أو موقوذة ودفع العبد ذلك رجع السيد عليه بالقيمة ، كما يقوله في الخمر والخنزير ، وقاله ( ش ) قياسا على الخمر والخنزير ، وكالخلع والنكاح ، وقال ( ح ) : لا يرجع في الميتة لأنها شرط لا عوض ، لعدم قبولها للعوض بخلاف الميتة والخنزير ، له ماله عند الذمة .

                                                                                                                السابع : قال : إذا وجد العوض معيبا وليس معه ماله رد عتقه ، وقاله [ ص: 258 ] ( ش ) ، وقال ( ح ) : لا يرد . لنا : أن العوض لم يحصل فلا يعتق كما إذا كاتبه على عوض فلم يؤده . احتجوا : بأنا قد حكمنا بالعوض فلا يرد ، جوابه : حكمنا به ظاهرا لا باطنا فيرد كما لو حكمنا ثم ظهر كذب البينة . في الجواهر : إن كاتبه على أن يشتري منه شيئا بنصف الكتابة : لم يلزمه الشراء ، وإن كاتبه وباع شيئا على عوض واحد دفعة واحدة صح ولزم البيع ، والكتابة كالبيع والإجازة .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية