الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                تفريع : في الكتاب : إن قال : ثلثهم أحرار ، أو نصفهم : عتق ذلك بالقرعة إن حمله الثلث ، وإلا فما حمله مما سمى ، وإن قال في مرضه : عشرة منهم ، وهم ستون : عتق سدسهم ، أخرجت القرعة أكثر من عشرة أو أقل ، ولو هلكوا إلا عشرة لعتقوا إن حملهم الثلث وإن كثرت قيمتهم ، وإن لم يحملهم الثلث عتق مبلغه بالقرعة ، وإن بقي أحد عشر عتق عشرة أجزاء من أحد عشر سهما بالقرعة إن حمله الثلث ، أو عشرون ، عتق نصفهم بالقرعة في الثلث ، أو ثلاثون فثلثهم ، وإن سمى حرا فقال : سدسهم لم يعتق إلا سدس من بقي ولو بقي واحد ، وإن قال : رأس منهم ولم يعنيه ، عتق بالقرعة إن كانوا خمسة يوم التقويم فخمسهم ، أو ستة فسدسهم ، خرج أقل من واحد أو أكثر توفية بلفظه ، وإذا انقسموا على الجزء الذي يعتق منهم جزءوا بطاقة وأقرعت بينهم ، فمن خرج اسمه ، وقيمته مبلغ الجزء الذي يعتق عتق مبلغه فقط ، أو نقص عتق وأعيدت القرعة لتمام ما بقي من جزء الوصية ، فما وقع لذلك عتق عبد أو بعض عبد ، وإن قال عند موته : أثلاث رقيقي أو أنصافهم أحرار ، أو ثلث كل رأس ، أو نصف كل رأس ، عتق من كل واحد ما ذكر إن حمل ذلك الثلث ، ولا يبدأ بعضهم على بعض ، لأنه عين العتق لكل واحد ، أو ما حمل ثلثه فيما سمى بالحصص من كل واحد بغير قرعة ، لأنه عين العتق لكل واحد .

                                                                                                                في التنبيهات : القرعة تتكرر في المناظرات وهي غير معلومة للفقهاء ، وتحقيق مذهب مالك عند أكثرهم : على ما دل عليه ظاهر لفظه في الكتاب ، وقيل : مذهبه في الكتاب مع ضيق المال ، وأنه لم يترك سواه ، وأما [ ص: 174 ] متى كان له سواه ، فإنه يتلف في العدد حتى يستكمل من الثلث عشرة ، وإن كان نوى ثلث جميع تركته من العبيد وغيرهم ، عن مالك : إذا قال : أحد عبيدي حر في الوصية عتق واحد كامل ، أو ثلاثة ، عتق واحد بالسهم ، وإن كانوا أقل من الثلث ، وقوله : ولم يعنيه ، يدل على أنه لو عينه عتقوا بالحصص ، وقاله سحنون ، وقال عبد الملك : يقرع بينهم سمى أم لا ، قال ابن يونس : اختلف في الرجل الوارد في الخبر فقيل : بتلهم ، وقيل : أوصى بعتقهم ، فحملنا القرعة عليهما عند ضيق الثلث دون تصرف الصحة ، لأنها رخصة لا يقاس عليها ، وقال المغيرة : إنما القرعة عند من أعتق عبيده عند موته ولا مال له غيرهم ، قال المغيرة : ولو قال في وصيته : أحد عبيدي حر ، وهم خمسة ، أعتق خمس كل واحد ، وقال أصبغ في المبتلين في المرض لا يحملهم الثلث : يعتق من كل واحد بغير سهم ، وإنما السنة بالسهم في الوصية ، قال ابن يونس : وإن قال : ميمون ومرزوق حران ، تحاصا عند ضيق الثلث ، لأنه لما سمى فقد قصد له العتق ، وقيل : يقرع بينهم ، والمذهب : الفرق بين التسمية وغيرها ، فيحصل إذا بتل عبيده أو أوصى فقد سمى أم لا ، ولم يحمل الثلث ففي كل وجه قولان ، فالقرعة والمحاصة ، قال مالك : ومما تكون فيه القرعة في الصحة : أن يعتق نصف رقيقه أو جزءا يسميه ، فإن ذلك في الصحة والمرض وفي الوصية سواء ، فيعتق من خرج إلى مبلغ قيمة الحر الذي سمى ، فإن فضل من قيمة نصفهم أو الجزء الذي سمى فضلة حتى يقع ذلك في بعض عبد ، فإن كان في وصية رق باقيه ، أو في صحة كمل عتقه ، قال محمد : وإن قال : أنصافهم أو أثلاثهم لا يسهم في ذلك في الصحة ولا في الوصية ، لكن يعتق الجزء الذي سمى من كل رأس إن حمل ذلك الثلث في الوصية ، وتكمل النفقة في الصحة ، وقال ابن الكاتب في قول المريض : أثلاث رقيقي : لم يرد [ ص: 175 ] تكميل عتق أحدهم ، وأما الموصي إذا لم يحمل الثلث ، وقال : ثلثهم ، فما زاد تمام الحرية فيميزوا بالقرعة ليحصل مراده ، بخلاف من أوصى بثلثهم لرجل فإنه يكون شريكا لأنه أقامه مقامه ، قال أشهب : إذا قال : رأس منهم حر ، ولم يعينهم وهم خمسة ، يعتق من كل واحد خمسه ، قال : ويعتق خمس قيمتهم ، خرج رأس أو بعضه ، قال محمد : وهو قول مالك وأصحابه ، قال أشهب : وإن أوصى بذلك عن رقبة ظهار أو بتل ، فيسهم بين كل من يصلح للرقاب الواجبة ، فمن خرج عتق كله ، لأن التبعيض في الكفارة ممتنع ، ولا عتق لمن بقي ، وعن مالك : إن قال عند موته : رأس من رقيقي وأحد عبيدي حر ، وهم ثلث ، فأقرع بينهم فخرج أحدهم ، وهو أكثر من ثلث قيمتهم عتق كله إن حمله الثلث . قال ابن يونس : وأصحاب مالك كلهم على خلافه ، وأما الصحيح : فيختار واحدا منهم فيعتقه ، أو ورثته إن مات من رأس المال ، وإن قال الصحيح : أثلاث رقيقي ، عتق عليه ثلث كل رأس ، وكمل لأنه أعتق بعض عبده ، أو مريض فمات ، عتق ما سمى وكمل في ثلثه باقيهم ، وإن عاش أتموا في رأس ماله ، لأن المريض تصرف في حال لا يملك إلا الثلث ، فإذا عاش ملك جميع ماله ، وإن قاله في وصيته عتق من كل واحد ثلثه فقط ، لأنه أوقعه في حال ما ، وماله لورثته ، وإن قال الصحيح : نصف عبيدي أحرار : قال سحنون : يحلف أنه لم يرد واحدا بعينه ، خلافا لابن القاسم ، وقال محمد : يعتق بالسهم نصف قيمتهم ، فإن وقع النصف في بعض عبد كمل ، لأنه صحيح ، والمرض والوصية يعتق نصف قيمتهم بالقرعة ، قال اللخمي : إذا قال في مرضه أو وصيته : عشرة من عبيدي أحرار ، وهم خمسون ، فخمسة أقوال : رقيق خمسهم بالقرعة خرج خمسة أو خمسة عشر ، وعن مالك : إن خرج أكثر من عشرة عتقوا ، أو أقل [ ص: 176 ] أقرع بين الباقين حتى تكمل عشرة ، ما لم يجاوز ثلث الميت ، وخير أشهب بين العتق بالسهم أو الحصص ، وقال المغيرة : بالحصص إن أعتق الميت ، أما إن أوصى بقيته أن يعتقوا عنه : خيروا بينهما ، وعن مالك في رأس منهم جزء ، وهم ثلاثة فعتق ثلثهم بالقرعة ، ثم لم يرد الميت إلا عتق واحد فيقرع بينهم ، فإن خرج واحد وهو أدنى من الثلث عتق ولم تعد القرعة ، أو أكثر عتق إن حملهم الثلث ، فاعتبر في الأول خمس قيمتهم ، لأنه العدل بين العبد والورثة ، لأن أعلاهم أو أدناهم ظلم بأحد الفريقين ، ومن رضي بالأدنى قيل له : للميت حق في عتق الأعلى ، أو خص الوسط بالم الأعلى والأدنى لفوات العتق . قال سحنون : إن قال : نصفكما حر أعتق أيكما شاء ، أو نصفاكما أعتق من كل واحد نصفه ، قال اللخمي : وأرى أن يسأل ويصدق في المسألتين ، فإن عدمت النية ، فالتجزئة أشبه ، لذكر النصف ، وإن قال في صحته : عشرة من رقيقي أحرار ، فمات أربعون ، فقيل : العشرة الباقية أحرار ، لتعين الصيغة ، وقيل : لا عتق لهم ، لأن السيد كان قبل موت من مات منهم بالخيار ، وكان يعتق غير هؤلاء ، فإن كان في وصية : قال ابن القاسم : يعتقون ، لأن العبرة بيوم الحكم في الثلث ، لا يوم الموت ، وقال عبد الملك : يعتق خمس الباقي ، لأن العبرة بيوم الموت ، وإن أما فولدت لكل واحدة منكن ولدا ، والتصرف في الصحة ، اختار عشرا من الأمهات مع أولادهن ، لأن الولد يتبع أمه ، أو في المرض ، يعتق خمسهن الذي كان يعتق قبل الولادة ، وتقوم كل واحدة بولدها ، ويتبعها في الحرية والرق ، أو في وصية وعينهن فقال : هؤلاء الخمسين رق ما ولد في جناية ، ولا يدخلون في القرعة ، ويدخل المولود بعد ذلك ، فيعتق خمس المائة ، وتقوم كل أمة بما ولدت ، ويتبعها إن عتقت ، ولا يقرع عليه بانفراده ، وإن قال : عشرة ممن يكون يوم أموت ، ولم يقل : هؤلاء ، [ ص: 177 ] دخل جميع الولد في العتق ، ولد قبل أو بعد ، وتختلف صفة العتق : فما ولد قبل قوم بانفراده ، وقد يعتق دون أمه ، أو أمه دونه إن وقعت عليها ، وما ولد بعد قوم مع أمه يتبعها في العتق والرق لتعليقه العتق بالكائن عند الموت ، فالمولود قبل كعبد اشتراه ، وإن قال : يوم ينظر في ثلثي ، لم يدخل المولود في الحياة لقوله : من هؤلاء ، ودخل في العتق من ولد بعد ، لأنه بعد موته كالمعتقة إلى أجل ، فموته أثبت له عقد العتق ، وسقط تخيير الميت ، وإن قال : عشرة ممن يكون في ملكي يوم ينظر في ثلثي ، ولم يقل : من هؤلاء ، دخل جميع الأولاد ، ولد في الحياة أو الممات ، وأقرع على كل واحد بانفراده ، وكان المعتق في عشرة من مائة وخمسين إن ولد لكل واحد قبل وبعد ، فإن حصلت القرعة لمن ولد قبل أو بعد أو الأم وحدها ، عتق لأنه علق العتق بمجهول ممن يكون يوم الحكم .

                                                                                                                تنبيه : إذا أعتق في مرضه عبيدا لا مال له غيرهم ، فمات بعضهم قبل موت السيد ، أقرع بين الباقين ، ولا يدخل الذي مات ، وقال ( ش ) : يدخل ، فإن خرجت قرعته عتق من يوم أعتقه ، وإن خرجت له قرعة رق ، أو خرجت على أحد الباقين قرعة حرية ، بطلت وصار كأنه لم يكن ، ووقعت القرعة بين من بقي ، فإن كانوا ثلاثة فخرجت للميت رق الأحرار ، أو خرج لهم سهم الرق أقرع بين الباقين ، وبطل حكم الميت ، ويعتق ثلث ما بقي كمذهبنا .

                                                                                                                لنا : أن عتق المريض موقوف على الثلث بعد الموت كالوصية بعتقهم : فلم يتقرر حكمه إلا بعد الموت ، ولم يؤجل حينئذ إلا الأحياء ، ولأنه لا يحصل للوارث شيء إلا بعد حصول الثلث للميت على الوجه الذي رسمه ، وإنما كان قصده حصول الحرية في عبد فتتم خدمته ، فإذا حسبنا الميت حصل مقصود الوارث دون المعتق ، ولأنه يؤدي إلى إخراج الثلث قبل موت الموصي ، فيلزم ملك الوارث الثلثين قبل [ ص: 178 ] موته ، ولأنها حرية موقوفة على موته لنفسها على الوصية إذا مات أحدهم .

                                                                                                                احتجوا بأنه إذا وقعت على الميت قرعة الحرية حصل للمعتق ثواب المعتق لأن ثوابه بالعتق لا يطول حياة العتيق ، أو قرعة الرق بطل حكمه ولم يحسب عليهم ، كما لو أوصى وله مال غائب فهاك ، لا يحسب ذلك المال ، لأنه لم يثبت عليه لهم يد ، ولأن العبد الموصى به لإنسان إذا تلف بعد موت الموصي وقبل قسم التركة لم يكن للموصى له في التركة شيء ، فكذلك المعتق .

                                                                                                                والجواب عن الأول : لا يسلم حصول ثواب العتق لعتق لعدم تقريره وموت العبد رقيقا ، بدليل منع شهادته ، وكما لا يحسب المال الغائب على الورث فكذلك لا يحسب على الموصى له .

                                                                                                                وعن الثاني : أن مثاله عتق عبد معين في مرضه فيموت في مرض سيده ، فإنه لا يعتق من تركته بدله ، وأما هاهنا في الثلث فيكون الموت قبل موته من التركة ، لأن الثلث يجوز بعد الموت .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية