الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                تمهيد

                                                                                                                قال ( ش ) ، و ( ح ) : ولاء السائبة للمعتق . لنا : ما تقدم ، ولأن المعتق ملكهم ملك المسلمين في عتقه ، فهو كالوكيل عنهم ، كأرباب الزكاة ، ولأن الولاء كالنسب ، ولما كان له أن يتزوج ويتسرى فيدخل النسب على عصبته بغير اختيارهم فكذلك الولاء ، والولاء يرجع للميراث ، والإنسان يتزوج فيلد من يرثه المسلمون ، احتجوا : بأن العرب كانت تسيب الأنعام والعبيد ، فنهوا بالآية ، ولأنه لو صرح بقوله : لا ولاء لي عليك ، لم يبطل ولاؤه ، وأولى في قوله ، أنت سائبة ، وعتق الإنسان عن أبيه إنما جاز لأن النسب قد يلحق بأبيه ، فكذلك يعتق عنه ، والمسلمون يرثون بالدين لا بالنسب ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - ( الولاء لمن أعتق ) .

                                                                                                                والجواب عن الأول : أنه لم يعرف عنهم في العبيد .

                                                                                                                [ ص: 183 ] عتق الوصي عن الميت أن ولاءه للميت ، وفي ( الموطأ ) ( أن سعد بن عبادة قال : يا رسول الله : إن أمي هلكت وليس لها مال ، أينفعها أن أعتق عنها ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : نعم ) فأعتق عنها ، وفي حديث آخر : أعتق عنها وتصدق ، فإنه سبب لها ، وأعتقت عائشة - رضي الله عنها - عن عبد الرحمن بن أبي بكر رقابا كثيرة بعد موته ، وكان ولاؤهم لمن يرث الولاء عن أخيها ، وقوله تعالى : ( وفي الرقاب ) هي الرقبة تعتق من الزكاة ، فولاؤها للمسلمين ، قال محمد : وإن أعتق عبده بشرط أن ولاءه لفلان بطل الشرط ، وهو للمعتق إلا أن يقول : أنت حر عن فلان ، وإن قال : أنت حر عن فلان وولاؤك لي ، بطل الشرط ، وهو للمعتق عنه ، وإن قلت لمدبرك : أنت حر عن فلان ، عتق وولاؤه للمعتق عنه ، وإن قلت لمدبرك : أنت حر عن فلان ، عتق وولاؤه لك ، لأنه تابع لعقد التدبير ، قال ابن القاسم : وإن بعت مدبرك بشرط العتق ، فأعتقه المشتري ، فولاؤه للمشتري ، وإن أعتقت أم ولدك عن رجل ، نفذ العتق ، وولاؤها لك ، وكذلك بيعها ممن يعتقها ، كما لو أعطاه مالا على عتقها ، وقال سحنون : يبطل العتق وترد إليك تبقى أم ولد ، وإن بعتها بغير شرط العتق فأعتقها المشتري : قال محمد : ينقض العتق وترجع أم ولد سيدها ، ويرد الثمن ، بخلاف المدبر لتأكد عتقها ، قال اللخمي : بيع الولاء لا يجوز للحديث ، ولأنه غرر لا يدري هل لا يتبع بإرثه وغيره أم لا ؟ وأما الهبة : فلأنها هبة لما بعد موت المعتق ، فهي هبة لملك الغير ، وتختلف ، هل يصح فيما يكون في حياة الواهب ، لأنه وهب ما يكون من الميراث في صحته ، كما لو وهب في صحته ما يرث من أبيه ، وقد اختلف فيه ، وإن وهب ذلك في مرض المولى صحت الهبة على المشهور ، والولاء للمعتق ، وأعتقه عن نفسه ، وأن يكون المعتق كأصل الحرية ليس مدبرا ، ولا مكاتبا ، ولا معتقا إلى أجل ، [ ص: 184 ] وعن الثاني : أنا نلتزمه ، فإذا قال : لا ولاء لي عليك ، يكون ولاؤه للمسلمين .

                                                                                                                وعن الثالث : أن النسب يلحق أيضا بالمسلمين . لأنهم عصبة من لا وارث له .

                                                                                                                وعن الرابع : أن الوارث يرث بالدين لا بالنسب ، لأنه لو كان كافرا ما ورثه المسلم .

                                                                                                                وعن الخامس : أنه مطلق في الأعيان ، فحمله على من أعتق عن نفسه ، وإلا لزم عتق الوكيل ، وقال ( ش ) : إن أعتق عن الغير بأمره ، فالولاء لمن أعتق عنه ، أو بغير أمره فالولاء للعتق . وقال ( ح ) : لمعتق مطلقا ، لنا : ما تقدم ، احتجوا : بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ) ولأنه إذا أعتق بأمره كأنه مالكه وأعتق عنه بالوكالة .

                                                                                                                والجواب عن الأول : أنه لنا ، لأنه نوى أن يكون الولاء للمسلمين .

                                                                                                                والجواب عن الثاني : أن الإذن ليس شرطا ، لأنه لو أعتق عن محجور عليه وقيل : وليه ذلك صح ، فيفرض من أعتق عن المسلمين بإذن الإمام ، فإنه لا ضرر على المسلمين في ذلك ، وإذا صح في جميع الصور ، لأنه لا قليل يقوت ، فإن قيل : ولاية اليتيم خاصة ، لأنه يتبع ماله ، ويخرج جميع ما يلزمه ، وولاية الإمام عامة ، قلنا : يلزمكم أنكم وافقتم إذا مات وعليه كفارة ، فأعتق عنه ولده وقع العتق ، وكان الولاء للمعتق عنه ، ولا إذن للميت .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية