الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " وإن عمل بإذنه أو على أن ما خرج من عمله فهو له فسواء ، وأكثر هذا أن يكون هبة لا يعرفها الواهب ، ولا الموهوب له ، ولم يجز ، ولم يقبض وللإذن الخيار في أن يتم ذلك أو يرد وليس كالدابة يأذن في ركوبها : لأنه أعرف بما أعطاه وقبضه " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال . إذا ملك معدنا في أرض أحياها ، أو اشتراها فظهر فيها ثم أن رجلا عمل فيه فأخرج منه قطعا فلا يخلو أن يكون عمل بإذنه أو بغير إذنه ، فإن كان بغير إذنه فهو متعد بذلك ، ولا أجرة له ، وما أخرجه فلصاحبه ، وإن كان ذلك بإذنه فلا يخلو من أن يأذن له على أن يخرجه العامل لنفسه أو له ، فإن أذن له على أن يخرجه له فما يخرجه يكون له ، وهل للعامل الأجرة أم لا يكون ؟ يحكم فيه كالحاكم في الغسال إذا أعطاه الثوب ليغسله فغسله من غير أن يشترط له أجرة ، وأما إذا أذن له على أن ما يخرجه العامل فلنفسه دونه ، فإن ذلك لا يصح : لأنها هبة مجهولة ، والمجهول لا يصح تملكه ، وكل ما يخرجه فإنه يرده على صاحب المعدن إلا أن يستأنف له هبة بعد الإخراج ويقبضه إياه ، ولا أجرة للعامل : لأنه عمل لنفسه وإنما تثبت له الأجرة إذا عمل لغيره بإجارة صحيحة أو فاسدة .

                                                                                                                                            فإن قيل : أليس إذا قارضه على أن يكون الربح كله للعامل فعمل وربح ، فإن الربح يكون لرب المال ، وأجرة المثل للمقارض ، وهاهنا قد عمل لنفسه : لأنه شرط جميع الربح . فالجواب : أنه ليس كذلك وإنما عمل لغيره : لأن رأس المال ليس له ، وإنما هو [ ص: 506 ] لغيره ، والبيع والشراء يقع لغيره دونه ، فأما في مسألتنا فإن العمل وقع لنفسه ، ولم يقصد بذلك إلا نفسه ، فلهذا لم يكن له أجرة ، فأما إذا استأجره لإخراج شيء من المعدن فإنه ينظر ، فإن استأجره مدة معلومة صحت الإجارة ، وإن كان العمل معلوما مثل أن يقول : تحفر لي كذا وكذا ذراعا صح ذلك إذا كانت الأجرة معلومة ، فأما إذا استأجره لذلك وجعل أجرته جزاء مما يخرجه من المعدن مثل أن يقول : ثلثه ، أو ربعه ، فإن الإجارة فاسدة : لأنها مجهولة ، وله أجرة المثل ، فإن كان ذلك بلفظ الجهالة مثل أن يقول : إن أخرجت منه شيئا فقد جعلت لك نصفه أو ثلثه فإنه لا يجوز : لأن الذي جعل له كمجهول القدر ، وإن جعل معلوما فقال : إن أخرجت منه كذا فقد جعلت لك عشرة دراهم ، صح ذلك كما لو قال : من جاء بعبدي ، أو قال : إن جئت بعبدي فلك دينار صح ذلك ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية