الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا تقرر ما وصفنا فادعى رجل على رجل ضمان مال ضمن تمام الدعوى أن يذكر قدر المال المضمون ؛ لأن ضمان المجهول عندنا باطل ولزومه على المضمون عنه ؛ لأن ضمان ما لا يلزم باطل فتصح الدعوى حينئذ بهذين الشرطين وليس تسمية المضمون عنه شرطا في الدعوى على الصحيح من المذهب فإذا كملت الدعوى بأن قال : ضمن لي ألفا دينار على غريم . سئل المدعى عليه الضمان عنها ، فإذا أنكر حلف وإن اعترف بالضمان على شرط الخيار ففيه ثلاثة مسائل :

                                                                                                                                            إحداها : أن يقول قد ضمنت إلا بشرط الخيار ، أو يقول : إنما ضمنت بشرط الخيار ؛ لأنه إذا ابتدأ بقوله إنما فمعلوم من صيغة كلامه أنه يريد أن يصل الضمان بغيره فتصير الصلة لتقدم أمارتها كالمتقدمة على إقراره فيكون قوله في ذلك مقبولا ، ولا يلزمه بهذا القول ضمان لا يختلف فيه المذهب .

                                                                                                                                            والمسألة الثانية : أن يقر بالضمان مطلقا ثم يدعي بعد انفصال كلامه أن ضمانه كان بشرط الخيار فقد لزمه الضمان بالإقرار ، ولا يقبل منه دعوى الخيار وهذا أيضا مما لم يختلف فيه المذهب كالاستثناء المتصل .

                                                                                                                                            والمسألة الثالثة : أن يقر بالضمان موصولا بالخيار فيقول : ضمنت له ألفا على أني بالخيار ، فإن صدقه المدعي على الخيار فالضمان باطل وإن كذبه على الخيار وادعى إطلاق الضمان ففيه قولان منصوصان : [ ص: 80 ] أحدهما : أن قوله في ادعاء الخيار مقبول وإقراره بالضمان باطل ؛ لأنه غير مجمل في كلامه عرفا فوجب أن يحكم به شرعا كالاستثناء ، ولأنه لما كانت صلة إقراره بمشيئة الله تعالى مقبولة في رفع الإقرار كان صلته بما يصل من حكمه من الخيار مقبولة في بطلان الضمان ، ولأنه لما كان إقراره بالبيع إذا وصله بصفة يبطل معها مقبولا ، ولا يجعل في البيع مقرا وفي الفساد مدعيا وجب أن يكون إقراره بالضمان إذا وصله بما يبطل معه مقبولا ، ولا يبعض إقراره فيجعل في الضمان مقرا وفي الخيار مدعيا .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أن قوله في ادعاء الخيار مردود وإقراره بالضمان لازم ينقض إقراره ويحلف له المقر له وإنما كان كذلك ؛ لأن أصول الشرع مقررة على أن من أقر بما يضره لزمه ومن ادعى ما ينفعه لم يقبل منه وهو في الضمان مقر بما يضره وفي الخيار مع ما ينفعه ، ولأنه أسقط أول كلامه بآخره فصار كاستثناء جميع ما أقر به .

                                                                                                                                            وعلى هذين القولين في تبعيض الإقرار إذا قال : له علي ألف قضيته إياها يقبل قوله على القول الأول في القضاء ، ولا يبعض إقراره ، ولا يقبل قوله على القول الثاني ويبعض عليه إقراره .

                                                                                                                                            وهكذا لو قال : له علي ألف من ثمن خمر ، أو خنزير كان على هذين القولين فأما إذا قال : له علي ألف مؤجلة إلى سنة ، وقد اختلف أصحابنا فخرجه بعضهم على قولين ، وقال بعضهم يجوز ويقبل منه قولا واحدا ؛ لأنه لا يسقط بالتأجيل شيء من الإقرار . وجملة ذلك أن القرائن ، والصلاة أربعة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : ما يقبل في الاتصال ، والانفصال وهو أن يقر بمال ثم يقول : من شركة كذا ، فيقبل منه وصل ، أو فصل .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : ما لا يقبل في الاتصال ، والانفصال وهو استثناء الكل كقوله له علي ألف إلا ألفا ، فلا يقبل منه وصل ، أو فصل لفساده في الكلام وإحالته في مفهوم الخطاب .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : ما يقبل في الاتصال ، ولا يقبل في الانفصال وهو استثناء البعض من الإقرار بالنقص ، والزيف ، وما لا يرفع جميع الإقرار إن وصل قبل ، وإن فصل لم يقبل ، فإن قيل فما الفرق بين استثناء الكل واستثناء البعض ؟ قيل من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن استثناء البعض مسموع في الكلام وصحيح في مفهوم الخطاب فجاز واستثناء الكل غير مسموع في كلامهم ، ولا يصح في مفهوم خطابهم فبطل لإحالة أن يكون كلاما صحيحا .

                                                                                                                                            [ ص: 80 ] والثاني : أن استثناء البعض مثبت لحكم الاستثناء ، والمستثنى منه فصح واستثناء الكل مبطل لحكم الاستثناء ، والمستثنى منه فبطل الاستثناء ويصح المستثنى منه .

                                                                                                                                            والقسم الرابع : ما لا يقبل في الانفصال واختلف قوله في قبوله في الاتصال وهو ما رفع جميع المتقدم من جهة الحكم ، والمعنى دون اللفظ وكان صحيحا في كلام الناس ومفهوم خطابهم كقوله : ضمنت على أني بالخيار ، أو : له علي ألف من ثمن خمر ، أو خنزير أو : له علي ألف قضيته ، أو : له علي مال مؤجل ، فهذا قد يكون بين الناس ويصح في كلامهم وإنما بطل بحكم الشرع لا بمفهوم الخطاب واستحالة الكلام باستثناء الكل الذي هو مستحيل في الكلام فيكون على قولين إن اتصل :

                                                                                                                                            أحدهما : يقبل لصحته في الكلام .

                                                                                                                                            والثاني : لا يقبل جمعا بين ما رفع أول كلامه لفظا وبين ما رفعه حكما .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية