الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " ولو قال له علي دراهم ثم قال هي نقض ، أو زيف لم يصدق " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : اعلم أن الدرهم في حقيقته عبارة عن وزن وقدر ، وقد يعبر به عن المضروب غير أن الحكم فيه متعلق بالقدر منه ومقاديرها مختلفة في البلاد . فدراهم الإسلام أوسطها وهي التي وزن كل واحد منها ستة دوانق وكل دانق منها ثمان حبات ووزن كل عشرة منها سبعة مثاقيل وهي أوسط الدراهم قدرا وهي الدراهم الهرقلية .

                                                                                                                                            والدرهم الثاني وهو البغلي وهو أعلاها ووزنه ثمانية دوانق يزيد على درهم الإسلام ثلث وزنه ، والدرهم الثالث وهو الطبري وهو أدناها ووزنه أربعة دوانق بنقص عن درهم الإسلام ثلث وزنه . وقد يكون بين ذلك دراهم بلاد تقارب في القدر وزن هذه كالدرهم الخوارزمي ووزنه ثلاثة أرباع الدرهم .

                                                                                                                                            فإذا تقرر هذا وأقر الرجل بألف درهم ثم قال : هي من دراهم الإسلام فهو مقبول منه سواء قال ذلك متصلا ، أو منفصلا لأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنها الأغلب من دراهم الناس .

                                                                                                                                            والثاني : أنها المعهود عرفا من مطلق دراهم الناس .

                                                                                                                                            [ ص: 53 ] فإن قال : أردت الدراهم البغلية فمقبول لزيادتها على دراهم غالب الناس ، وإن قال : من الدراهم الطبرية وهي طبرية الشام فإن قال ذلك متصلا فهو مقبول كالاستثناء ؛ لأن نقص الوزن كنقص الاستثناء من الأعداد . وإن قال ذلك منفصلا فلا يخلو حاله من أحد أمرين :

                                                                                                                                            إما أن يكون من أهل ذلك البلد التي هي وزن دراهمهم . أو لا .

                                                                                                                                            فإن لم يكن منهم وكان من غيرهم ، أو منهم ولكن في غير بلدهم لم يقبل ذلك منه كما لا يقبل منه الاستثناء المنفصل ؛ لأنهما نقصا عددا وقدرا .

                                                                                                                                            وإن كان من أهل ذلك البلد وفيه كأهل طبرية الشام إذا أقر الواحد منهم بألف درهم ثم قال منفصلا : أردت الدرهم الطبري ، أو كأهل خوارزم إذا قال المقر فيها بالدراهم : أردت الدرهم الخوارزمي ، ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : قاله أبو حامد المروزي في جامعه من باب الإقرار بالحكم : الظاهر أن ذلك مقبول منه كما يلزم ذلك في إطلاق البيع .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو قول أبي حامد الإسفراييني : لا يقبل منه إلا دراهم الإسلام ؛ لأن عرف البلاد في الإقرار غير معتبر وإن كان معتبرا في البيع .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية