الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 293 ] وألغي مرض كيومين وغيبتهما ، لا إن كثر

[ ص: 293 ]

التالي السابق


[ ص: 293 ] وألغي ) بضم الهمز وكسر الغين المعجمة أي لا يعتبر ( مرض ) أحد شريكي العمل ( كيومين و ) ألغيت ( غيبتهما ) أي اليومين من أحدهما أو منهما فما عمله أحدهما في مدة مرض الآخر أو غيبته فأجرته تقسم بينهما ( لا ) يلغى مرض أحدهما أو غيبته ( إن كثر ) أي طال زمن المرض أو الغيبة . قال في المدونة إذا مرض أحد شريكي الصنعة أو غاب يوما أو يومين فعمل صاحبه فالعمل بينهما لأن هذا أمر جائز بين الشركاء إلا ما تفاحش من ذلك وطال ، فإن العامل إن أحب أن يعطي لصاحبه نصف ما عمل جاز ذلك إن لم يعقدا في أصل الشركة أن من مرض منهما أو غاب غيبة بعيدة فما عمل الآخر بينهما .

( تنبيهات ) : الأول قوله كيومين يفيد أن ما قاربهما له حكمهما ، وقد اقتصر في المدونة على اليومين ، فلعل المصنف اعتمد على مفهوم قولها في الشق الثاني إلا ما تفاحش من ذلك وطال ولم يبينه ، وكأنه أحاله على العرف ، وقد تقدم عن أبي الحسن في الرد على أحد الشريكين ما باعه الآخر في غيبة البائع أن القريب الثلاثة والبعيد العشرة ، وأن ما بينهما يلحق بما قاربه ا هـ ، وينبغي مثله فيما يشبهه من الأبواب .

الثاني : ضمير غيبتهما راجع إلى اليومين ، سواء كانت من أحدهما أو منهما على التعاقب .

الثالث : هل يلغى من الكثيرة يومان . البساطي ظاهر كلامهم أنه لا يلغى منها شيء . الحط يأتي فيه الخلاف الآتي في القولة التي بعده .

الرابع : علم من قول اللخمي مرض أحدهما أو مات أن الموت كالغيبة والمرض ، عليه فينغي أن يقال إن عمل بعد موته يومين ألغي وإن كثر فلا يلغى .

الخامس : علم من قول اللخمي ثم مرض أحدهما إلخ أنه لا فرق بين أخذ الشيء الذي يعملان فيه في صحتهما أو مرض أحدهما والله أعلم . [ ص: 294 ]

السادس : ابن حبيب هذا في شركة العمل ، وأما في شركة المال فللذي عمل نصف أجرة عمله على شريكه والفضل بينهما لأن المال جره . وقال الرجراجي إن مرض أحد الشريكين ، فإن كانت مالية بينهما فالربح وللعامل أجر عمله لأن سبب الربح المال . وأما البدنية فإن كان المرض مما الغالب التسامح فيه فالربح بينهما ولا شيء للمعافى على المؤوف ، وإن كان كثيرا فهل يكون المعافى متطوعا للمؤوف قولان . أشهب متطوع له وابن القاسم ليس متطوعا له فالربح بينهما ، ويختص بأجرة عمله . ا هـ . والمؤوف هو المريض .

السابع : اللخمي إن عقد أحدها إجارة بعد طول المرض أو الغيبة فذلك له وحده لانقطاع الشركة وضمان ما هلك إن لم تنقطع الشركة عليهما ، وإن انقطعت عليه وحده ، ونقله ابن يونس عن بعض وأقره .

الثامن : لم يفهم من قوله لا إن كثر كيف يعمل ، وكلام الشارح يوهم اختصاص العامل بأجرة ما عمله وليس كذلك ، وليس في المدونة ما يدل عليه ، وقد صرح اللخمي وغيره بأن معناه أن الأجرة بينهما وللعامل أجر عمله . اللخمي إن عقد الشريكان الإجارة على عمل ثم مرض أحدهما أو مات أو غاب فعلى الآخر أن يوفي بجميع ذلك العمل ، سواء كانت الإجارة على أن العمل في الذمة أو في أعيانهما لاشتراكهما على ذلك ولدخول مستأجرهما عليه ولأنهما متضامنان فيلزم أحدهما ما يلزم الآخر . وإن كانت الإجارة في الصحة ثم مرض أحدهما مرضا خفيفا أو طويلا أو غاب أحدهما إلى موضع قريب أو بعيد فعلى الصحيح والحاضر القيام بجميع العمل ، وكذا إذا عقد الإجارة على شيء في أول المرض ثم برأ عن قرب أو بعد ، أو في سفر أحدهما إلى مكان قريب ثم رجع عن قرب أو بعد ، فكل ذلك سواء في أن على الصحيح والحاضر القيام بجميع العمل ، هذا في حق الذي له العمل ، وكذلك في المسمى الذي عقد عليه فهو بينهما نصفان في الوجهين جميعا ، ويفترق الجواب في رجوع الذي عمل على صاحبه ، فإن كان المرض خفيفا والسفر قريبا فلا يرجع بشيء على صاحبه لأن العادة العفو على مثل ذلك ولولاها لرجع [ ص: 295 ] عليه بأجرة عمله . إن طال المرض أو السفر رجع عليه بأجرة مثله . ا هـ . والأجرة التي آجرا بها بينهما ونقله في الذخيرة وقبله وأبو الحسن والرجراجي وتقدم في السادس نصه أفاده الحط .

طفي فيه نظر من وجوه ، الأول : رده على الشارح وكلامه موافق لقول المدونة ، وإذا مرض أحد شريكي الصنعة أو غاب يوما أو يومين فعمل صاحبه فالعمل بينهما لأن هذا أمر جائز بين الشركاء إلا ما تفاحش من ذلك وطال ، فإن العامل إن أحب أن يعطي لصاحبه نصف ما عمل جاز ذلك . أبو الحسن وإن لم يحب فلا يعطيه . ابن يونس بعض القرويين إذا تقبل أحدهما شيئا بعد طول غيبة صاحبه أو مرضه فهو له ، وإذا تقبلا جميما ثم غاب أحدهما غيبة طويلة كانت الأجرة بينهما ، ويرجع العامل على شريكه بأجرة مثله لأنه كان حميلا لصاحبه بالعمل . ا هـ . ونحوه اللخمي .

الثاني : قوله وكلامه في المدونة إلخ ، مع أنها مصرحة بالمراد .

الثالث : جزمه بأن الأجرة بينهما ، وإطلاقه في ذلك واستدلاله بكلام اللخمي مع تفصيله كبعض القرويين ، وقد نقل هو كلامه ، وفيه التفصيل المذكور . وأما نقله عن الرجراجي أن الربح بينهما ويطالبه بأجرة عمله من غير تفصيل فلا يعول عليه لأنه خلاف كلام المدونة وخلاف تفصيل بعض القرويين واللخمي ، والظاهر أنه تفريع من عند نفسه على قول ابن القاسم وقد تبعه عج ومن بعده إلا أن يقال محل كلامه فيما قبلاه أو أحدهما قبل الغيبة الطويلة والمرض الطويل ، ويدل على ذلك أنه لما فرغ من تقرير كلام المصنف وذكر التنبيهات قال التنبيه الثامن قال اللخمي ولو عقد أحدهما إجارة بعد طول المرض أو السفر كان ذلك له وحده لأن الشركة حينئذ قد انقطعت . ا هـ . فهذا يقيد إطلاقه أولا ، لكنه بعيد لأن اللخمي فرض الكلام أولا فيما عقداه أو أحدهما قبل الغيبة الطويلة أو المرض الطويل ، وذكر أنه يكون بينهما ويرجع بأجرة نصف العمل ثم ذكر حكم ما قبله أحدهما بعد السفر أو المرض الطويل ، ولكون ما حملنا عليه [ ص: 296 ] كلامه بعيدا جزم عج ومن تبعه بأن الأجرة بينهما ويرجع عليه بنصف أجرة العمل ولم يفصل .




الخدمات العلمية