الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
أو فسدت : كبجعل من غير ربه لمدينه ، [ ص: 229 - 230 ] وإن ضمان مضمونه ، [ ص: 231 ] إلا في اشتراء شيء بينهما ، أو بيعه ، كقرضهما على الأصح

التالي السابق


( أو ) أي وبطل الضمان أي لغي ولم يلزم الحميل به شيء إن ( فسدت ) الحمالة نفسها بانتفاء ركنها أو شرط أو وجود مانعها فلم يتحد المعلق والمعلق عليه فلا اعتراض بتعليق أنشئ على نفسه ، ومثل شين الفاسدة فقال ( ك ) حمالة ( بجعل ) بضم الجيم وسكون العين ، أي عوض ( من غير ربه ) أي الدين ( لمدينه ) بأن كان من ربه ومن المدين أو من أجنبي للضامن لأن الضامن إذا غرم رجع بمثل ما غرمه وازداد الجعل ، وهذا سلف بزيادة ولأن الضمان أحد الثلاثة التي لا تكون إلا لله تعالى . والثاني القرض ، والثالث الجاه ، فمنطوقه صادق بثلاث صور ، ومفهومه أنه إن كان [ ص: 229 ] الجعل من ربه أو من أجنبي لمدينه فإنه جائز بشرط حلول الأجل في الأول ، فهذه النسخة صحيحة أفادهعب .

البناني في التوضيح لا يجوز للضامن أن يأخذ جعلا سواء كان من رب الدين أو من المدين أو من غيرهما . المازري للمنع علتان أولاهما أن ذلك من بياعات الغرر لأن من أخذ عشرة على أن يتحمل بمائة لم يدر هل يفلس من تحمل عنه أو يغيب فيخسر مائة ولم يأخذ إلا العشرة أو يسلم من الغرامة ويفوز بالعشرة ، ثانيتهما أنه دائر بين أمرين ممنوعين لأنه إن أدى الغريم الدين كان له الجعل باطلا ، وإن أدى الضامن ورجع به على المضمون صار كأنه أسلف ما أدى وربح الجعل فكان سلفا بزيادة . ا هـ . والبطلان مقيد بكون الجعل من رب الدين أو من غيره وعلم رب الدين وإلا لزمت الحمالة ، ورد الجعل .

قال في شرح التحفة اعلم أن الجعل إن كان للحميل رد الجعل قولا واحدا ، ويفترق الجواب في ثبوت الحمالة وسقوطها ، وفي صحة البيع وفساده على ثلاثة أوجه فتارة تسقط الحمالة ويثبت البيع ، وتارة تثبت الحمالة والبيع . والثالث يختلف فيه في الحمالة والبيع جميعا ، فإن كان الجعل من البائع كانت الحمالة ساقطة لأنها بعوض والبيع صحيح ، لأن المشتري لا مدخل له فيما فعل البائع مع الحميل وإن كان الجعل من المشتري ، أي أو من أجنبي ولم يعلم البائع به فالحمالة لازمة كالبيع لأن الحميل غر البائع حتى أخرج سلعته .

واختلف إذا علم البائع ، فقال ابن القاسم في كتاب محمد تسقط الحمالة يريد ويخير البائع في سلعته . وقال محمد الكفالة لازمة وإن علم البائع إذا لم يكن له في ذلك سبب ، وأصله للخمي انظر " ح " ، وقول " ز " ومفهومه صورتان إلخ . الصورة الثانية منهما داخلة في منطوق المصنف وليست من مفهومه وقد علم جوازها فترد على المنطوق [ ص: 230 ] وتفسد بها ، هذه النسخة أعني من غير ربه لمدينه " غ " في كثير من النسخ أو فسدت كبجعل ، وإن من غير ربه كمدينه بالغين المعجمة والياء والراء وزيادة وإن وكمدينه بكاف التشبيه فهو كقوله في توضيحه لا يجوز للضامن أن يأخذ جعلا من رب الدين أو المدين أو غيرهما . وفي بعض النسخ وإن من عند ربه لمدينه بالعين المهملة والنون والدال ولمدينه باللام ، وصوابه على هذا لا من عند ربه لمدينه بلا النافية حتى يطابق قوله في توضيحه اختلف إذا كان رب الدين أعطى المديان شيئا على أن أعطاه حميلا فأجازه مالك وابن القاسم وأشهب وغيرهم رضي الله تعالى عنهم . وفي العتبية عن أشهب لا يصح ، وعنه أيضا أنه كرهه ، وقال اللخمي وغيره الجواز أبين .

الحط هاتان النسختان اللتان ذكرهما غير مشتهرتين ، والنسخة المشهورة من غير ربه لمدينه كما ذكرته أولا بإسقاط وإن وغير بالغين المعجمة والراء والياء ولمدينه فاللام الجر ، وهذه معناها فاسد لأنها تدل على أن الضمان يفسد إذا دفع غير رب الدين للمديان جعلا على أن يعطي لرب الدين حميلا ، وهذا لا يصح لأنه تقدم في كلام ابن غازي أن الجعل لو كان من رب الدين للمديان يصح ، فأحرى إن كان من غيره ولو كان بدل اللام كاف صحت ، لأنها ترجع إلى الأولى غير أنه يدعي فيها أنه إذا كان الجعل من عند ربه أحرويا فأولى النسخ وأحسنها النسخة الأولى التي ذكرها ابن غازي .

ويدخل في قوله بكجعل جميع الصور التي لا تجوز فيها الحمالة لدخول الفساد بين الكفيل والطالب والمطلوب ويبطل الضمان بجعل للضامن إن كان الجعل مالا ، بل ( وإن ) كان الجعل ( ضمان مضمونه ) أي الضامن من إضافة المصدر لفاعله ومفعوله محذوف ، أي الضامن بأن ضمن أحدهما الآخر ليضمنه الآخر بأن تداين رجلان دينا من رجل أو من رجلين ، ويضمن كل منهما صاحبه فيما عليه لرب الدين فيمنع إذا شرطا ذلك لا إن اتفق بدون شرط ، ويحتمل تقدير مفعول المصدر مدين الضامن بأن يقول له اضمني وأنا أضمن لك مدينك . [ ص: 231 ] واستثنى من المبالغ عليه فقال ( إلا ) تضامنهما ( في ) ثمن ترتب عليهما بسبب ( اشتراء شيء ) معين مشترك ( بينهما ) أي المتضامنين بأن يشتريا شيئا معينا مشتركا بينهما بالنصف بثمن معلوم مؤجل عليهما إلى أجل معلوم ، ويضمن كل منهما صاحبه فيما عليه للبائع فيجوز لعمل السلف ( أو ) تضامنهما في عرض أو طعام ترتب عليهما بالسوية ب ( بيعه ) لأجل معلوم على وجه السلم فيجوز ، وهو الصحيح عند ابن رشد .

وشبه في الجواز فقال ( كقرضهما ) أي تسلف شخصين شيئا بينهما بالسوية وتضامنهما فيه فيجوز ( على الأصح ) من الخلاف عند ابن عبد السلام ، قال وهو الصحيح عندي ، وإليه ذهب ابن أبي زمنين وابن العطار خلافا لابن الفخار رآه سلفا جر منفعة . تت وقيدنا بالسوية في المسائل الثلاثة لأنه لو كان لأحدهما أكثر مما للآخر لم يجز إلا أن يضمن أحدهما قدر ما ضمنه الآخر فيه فقط نص عليه ابن عبد الحق . عب جاز في الأمور الثلاثة لعمل الماضين فهي مستثناة مما امتنع ، والجواز فيها مقيد بأن يضمن كل واحد صاحبه في قدر ما ضمنه فيه الآخر وإلا امتنع ، فإذا اشتريا شيئا على أن لأحدهما الثلث والباقي للآخر ، فإن ضمن كل منهما صاحبه في جميع ماله لم يجز وإن ضمن ذو الثلث نصف ما لصاحبه جاز




الخدمات العلمية