الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 497 - 498 ] ( ومن قال لعبديه أحدكما حر فباع أحدهما أو مات أو قال له أنت حر بعد موتي عتق الآخر ) لأنه لم يبق محلا للعتق أصلا بالموت وللعتق من جهته بالبيع وللعتق من كل وجه بالتدبير فتعين له الآخر ، ولأنه بالبيع قصد الوصول إلى الثمن وبالتدبير إبقاء الانتفاع إلى موته ، والمقصودان [ ص: 499 ] ينافيان العتق الملتزم فتعين له الآخر دلالة وكذا إذا استولد إحداهما للمعنيين ، ولا فرق بين البيع الصحيح والفاسد مع القبض وبدونه والمطلق وبشرط الخيار لأحد المتعاقدين لإطلاق جواب الكتاب والمعنى ما قلنا ، والعرض على البيع ملحق به في المحفوظ عن أبي يوسف ، والهبة والتسليم والصدقة والتسليم بمنزلة البيع لأنه تمليك ; .

التالي السابق


( قوله ومن قال لعبديه أحدكما حر فباع أحدهما أو مات أو قال له ) أي لأحدهما ( أنت حر بعد موتي عتق الآخر ) المقصود ذكر ما يقع به البيان في العتق المبهم ، ومعلوم أن العتق المبهم يوجب البيان كالطلاق المبهم عندنا وعند الشافعي ومالك ، وعند أحمد لا بيان إلا بالقرعة ، وباللفظ لا يصح إلا أن يقول : كنت نويته عند التلفظ به ، وعند الظاهرية لا يعتق أصلا .

والبيان يقع صريحا كقوله اخترت أن يكون هذا حرا بذلك اللفظ الذي قلته ، أو يقول : أنت حر بذلك العتق أو أعتقتك بذلك العتق ، أما إذا اقتصر على قوله : أنت حر ثم قال : أردت بذلك العتق فإنه يصدق قضاء فلا يعتق الآخر ، ولو لم يقل شيئا عتق هو والآخر معا لأن هذا عتق آخر نازل بغير الأول وبه لم يبق محلا لنزول عتق آخر فكان كالموت فتعين الآخر للعتق بذلك الإعتاق . ودلالة كما إذا باع مطلقا أو بشرط الخيار لأحد المتبايعين بيعا صحيحا أو فاسدا مع قبض ودونه في الصحيح لأن البيان يقع بتصرف مختص بالملك سواء كان مخرجا له عن الملك كما لو نجز عتق أحدهما أو باعه أولا ، ولذا عتق الآخر بالمساومة في صاحبه ، وهذا لأن ذلك يدل على قصده استبقاء ملكه في الذي تصرف فيه فيقع بيانا لعتق الآخر ، وحكما كما إذا مات أحدهما فإنه يعتق الآخر ، وليس بيانا من المتكلم لأنه ليس اختياريا ، ولأن البيان إنشاء من وجه ولا إنشاء في الآخر بموت قرينه لأن الإنشاء صفة اللفظ ، بل لزم من طريق الحكم ذلك بسبب فوات محلية الذي مات لنزول العتق فيه ، ولا بد من عتق أحدهما بعينه فلزم لذلك الكلام عتق الحي وما يقع به البيان في العتق المبهم المنجز يقع به في المعتق المبهم المعلق كأن قال : إذا جاء زيد فأحدكما حر ، فلو مات أحدهما قبل الشرط أو تصرف فيه بإزالة الملك ثم جاء زيد عتق الباقي . وفرق بين البيان الحكمي والصريح ، فإن الحكمي قد رأيت أنه يصح قبل الشرط ، بخلاف الصريح ; فإنه لو قال قبل الشرط اخترت أن يعتق فلان ثم وجد الشرط لا يعتبر لأنه اختيار قبل وقته ، كما لو قال أنت حر إن دخلت هذه الدار أو هذه ثم عين إحداهما للحنث لا يصح تعيينه ولو باع أحدهما أو كليهما ثم اشتراهما ثم جاء زيد ثبت حكم العتق المبهم فيعتق أحدهما ويؤمر بالبيان لأن زوال الملك بعد اليمين لا يبطلها .

وعن محمد : لو كان اليمين قبل الحرية المجهولة يعني قال لعبده : إن دخلت فأنت حر ثم قال له مع آخر أحدكما حر ثم وجد الشرط فعتق ذلك المحلوف بعتقه عتق الآخر لفوات محلية المحلوف بعتقه بالعتق فصار كموته ولو كاتب أو رهن أو آجر يكون بيانا ، ولو استخدم أحدهما أو قطع يده أو جنى عليه لا يكون بيانا ( قوله لأنه لم يبق محلا للعتق أصلا بالموت وللعتق من جهته بالبيع ) أي ولم يبق محلا للعتق من جهة المولى المتكلم بالعتق المبهم بسبب بيعه إياه ( وللعتق من كل وجه ) أي ولم يبق محلا للعتق من كل وجه وهو العتق الملتزم بقوله أحدكما حر فإن حاصله تعليق عتق كامل بالبيان .

وبالتدبير لم يبق عتقه عتقا كاملا لاستحقاقه العتق عند الموت ( فتعين الآخر ، ولأنه بالبيع قصد الوصول إلى الثمن وبالتدبير ) قصد ( استبقاء الانتفاع ) به مدة حياته وأن يعتقه بعد موته ( والمقصودان ) [ ص: 499 ] يعني الوصول إلى الثمن والانتفاع المستمر إلى الموت ( ينافيان العتق الملتزم بالإيجاب المبهم فيتعين له الآخر دلالة ) ( قوله وكذا إذا استولد إحداهما ) أي إذا وطئ إحداهما فعلقت لأنها صارت أم ولد له فتعينت الأخرى للعتق للمعنيين وهما كونها لم تبق محلا للعتق من كل وجه كالمدبر وقصد إبقائها للانتفاع بها إلى الموت ، وإنما قيدنا الوطء بالمعلق لأن الوطء غير المعلق ليس بيانا عند أبي حنيفة كما سنذكر .

واستشكل على تعين الآخر بموت أحدهما ما لو اشترى أحد العبدين وسمى ثمن كل منهما على أنه بالخيار يأخذ أيهما شاء فمات أحدهما حيث يتعين للبيع الميت لا الحي مع أن بالموت لم تبق محلية البيع كما لم تبق محلية العتق ، وما لو قال لأمتيه : إحدى هاتين بنتي أو أم ولدي ثم ماتت إحداهما لا تتعين الحية للاستيلاد ولا للحرية .

وجواب الأول بالفرق بأن عند إشراف أحدهما على الموت تعين البيع فيه لأنه تعذر رده كما قبضه فإنه لا يخلو عن مقدمة تعييب فإنما تعين للبيع وهو حي لا ميت ، ولا يتعين العتق بالإشراف على الموت ، فلو عتق كان بعد الموت فامتنع فمات رقيقا لعدم موجب النقل فتعين الآخر للعتق .

وجواب الثاني بأنه ليس إيقاعا بصيغته بل إخبار ، ويجوز أن يخبر بهذا عن الحي والميت فيرجع إلى بيان المولى .

وقوله ( لإطلاق جواب الكتاب ) يريد الجامع الصغير . وقوله ( والمعنى ما قلنا ) أي من أنه قصد الوصول إلى الثمن ، والوصول إلى الثمن ينافي العتق فتعين الآخر للعتق .

( قوله والهبة والتسليم والصدقة والتسليم بمنزلة البيع لأنه تمليك ) روي عن محمد في الإملاء : إذا وهب أحدهما وأقبض أو تصدق وأقبض عتق الآخر ، [ ص: 500 ] قالوا : ذكره الإقباض توكيد لا للشرط لما في المبسوط والمحيط وغيرهما أن البيان باعتبار دلالة تصرف مختص بالملك ولأن المساومة إذا عينت الآخر وليس فيها خروج عن الملك فعقد الهبة والصدقة والبيع الفاسد وهو أدخل في طريق الملك أولى أن يعينه .




الخدمات العلمية