الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإذا حبست المرأة في دين فلا نفقة لها ) لأن فوت الاحتباس منها بالمماطلة ، وإن لم يكن منها بأن كانت عاجزة فليس منه ، وكذا إذا غصبها رجل كرها فذهب بها . وعن أبي يوسف أن لها النفقة ، والفتوى على الأول لأن فوت الاحتباس ليس منه ليجعل باقيا تقديرا ، [ ص: 386 ] وكذا إذا حجت مع محرم لأن فوت الاحتباس منها . وعن أبي يوسف أن لها النفقة لأن إقامة الفرض عذر ، ولكن تجب عليه نفقة الحضر دون السفر لأنها هي المستحقة عليه ، ولو سافر معها الزوج تجب النفقة بالاتفاق لأن الاحتباس قائم لقيامه عليها وتجب نفقة الحضر دون السفر ، ولا يجب الكراء لما قلنا ( فإن مرضت في منزل الزوج فلها النفقة ) والقياس أن لا نفقة لها إذا كان مرضا يمنع من الجماع لفوت الاحتباس للاستمتاع .

وجه الاستحسان أن الاحتباس قائم فإنه يستأنس بها ويمسها وتحفظ البيت ، والمانع بعارض فأشبه الحيض . وعن أبي يوسف أنها إذا سلمت نفسها ثم مرضت تجب النفقة لتحقق التسليم ، ولو مرضت ثم سلمت لا تجب لأن التسليم لم يصح قالوا هذا حسن . وفي لفظ الكتاب ما يشير إليه .

التالي السابق


( قوله وعن أبي يوسف لها النفقة ) أي في صورتي حبسها وغصبها لأنه لا منع من جهتها ، واختاره السغدي والفتوى على الأول وهو قول محمد لأن النفقة عليه عوضا عن احتباسه إياها ، غير أنه إذا فات الاحتباس لمعنى من جهته جعل باقيا تقديرا فتجب مع فواته ، فإذا كان لا لمعنى من جهته لم يكن تقديرا قائما ففات حقيقة وحكما وهو الموجب ليس غير ، فعند عدمه ينعدم الحكم ، ونظيره ما لو غصب العين من يد المستأجر لا يجب الأجر عليه لفوات التمكن من الانتفاع لا من جهة المستأجر وإن لم يكن من جهة الآجر ، بخلاف ما لو حبس هو ظلما أو في حق يقدر على إيفائه أو لا يقدر أو هرب أو ارتد أو أسلمت وأبى هو الإسلام أو طلقها بعد الدخول ، وكذا كل فرقة جاءت من قبلها بحق لا تسقط النفقة كالفرقة بخيار العتق والبلوغ وعدم الكفاءة أو بسبب الجب والعنة ما دامت في العدة حيث يجب لها النفقة لفواته من جهته حقيقة أو معنى وإن لم يكن له تعمد [ ص: 386 ] فيه .

( قوله وكذا إلخ ) أي لا نفقة لها إذا حجت مع محرم ، بخلاف ما إذا حجت مع الزوج فإن لها النفقة اتفاقا .

( قوله لأن إقامة الفرض عذر ) قلنا نعم ، ولكنه من جهتها والاحتباس الفائت إنما يجعل باقيا تقديرا إذا كان الفوات من جهته ، ثم إذا وجبت عليه فالواجب نفقة الحضر بأن يعتبر ما كان قيمة الطعام في الحضر فيجب دون نفقة السفر لأن هذه الزيادة لحقها بإزاء منفعة تحصل لها فلا تكون على الزوج كالمريضة التي لا تستحق المداواة عليه .

( قوله لما قلنا ) أي من أن نفقة الحضر هي المستحقة . وأجمعوا على أن بالصوم والصلاة لا تسقط النفقة .

( قوله ويمسها ) أي ويمسها استمتاعا ويدخل في مسها كذلك الجماع فيما دون الفرج والقبلة وغيرهما فكان الاحتباس الموجب قائما ، وكذلك الرتقاء والقرناء على ما ذكرنا لحصول الانتفاع بالدواعي والاستئناس . والله أعلم .

( قوله قالوا هذا حسن . وفي لفظ الكتاب إشارة إليه ) وهو قوله وإن مرضت في منزل الزوج وهو عبارة عن تسليم نفسها صحيحة ثم طرأ المرض . ولا يخفى أن إشارة الكتاب هذه مبنية على ما اختاره من عدم وجوب النفقة قبل التسليم في منزله على ما قدمه من قوله النفقة واجبة للزوجة على زوجها إذا سلمت نفسها في منزله ، وقدمنا أنه مختار بعض المشايخ ورواية عن أبي يوسف ، وليس الفتوى عليه ، بل ظاهر الرواية وهو الأصح تعليقها بالعقد الصحيح ما لم يقع نشوز فالمستحسنون لهذا التفصيل هم المختارون لتلك الرواية عن أبي يوسف وهذه فرعيتها ، والمختار وجوب النفقة لتحقق الاحتباس لاستيفاء ما هو من مقاصد النكاح من الاستئناس والاستمتاع بالدواعي وهو ظاهر الرواية . قال في الأصل : نفقة المرأة واجبة على الزوج وإن مرضت أو جنت أو أصابها بلاء يمنع عن الجماع أو كبر حتى لا يستطاع جماعها . وفي شرح الطحاوي : إذا كبرت ولا تطيق الجماع أو بها رتق يمنع الجماع أو قرن كان لها النفقة . وقال الحلواني : قالوا إذا مرضت مرضا لا يمكن الانتفاع بها بوجه من الوجوه تسقط النفقة وإن كان مرضا يمكن الانتفاع بها بنوع انتفاع لا تسقط وهذا تقييد للأول . قال في الخلاصة : لو كانت مريضة [ ص: 387 ] ومعها زوجها أو لا قبل الدخول أو بعده تجب . وفي الأقضية : لو كانت محرمة أو رتقاء أو قرناء تجب .

وفي الجامع الكبير : سواء أصابتها هذه العوارض بعدما انتقلت إلى بيت الزوج أو قبله فيما إذا لم تكن مانعة نفسها ، وهذا جواب ظاهر الرواية . وعن أبي يوسف : لا نفقة للرتقاء والمريضة التي لا يمكن وطؤها قبل أن ينقلها ، وإن انتقلت من غير رضاه يردها إلى أهلها ، أما إذا نقلها هو إلى بيته مع علمه بذلك لا يردها إلى أهلها انتهى ، كله من الخلاصة . وبه يظهر لك ما حكمنا به فيمن اختار قول أبي يوسف ، ثم عن أبي يوسف في التي مرضت في منزله إذا تطاول مرضها تعتبر كالرتقاء فيها .




الخدمات العلمية