الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإن قال لأمته : أنت طالق أو بائن أو تخمري ونوى به العتق لم تعتق ) وقال الشافعي رحمه الله تعتق إذا نوى ، وكذا على هذا الخلاف سائر ألفاظ الصريح والكناية على ما قال مشايخهم رحمهم الله له أنه نوى ما يحتمله لفظه لأن بين الملكين موافقة إذ كل واحد منهما ملك العين ، أما ملك اليمين فظاهر ، وكذلك ملك النكاح في حكم ملك العين حتى كان التأبيد من شرطه والتأقيت مبطلا له وعمل اللفظين في إسقاط ما هو حقه وهو الملك ولهذا يصح التعليق فيه بالشرط ، أما الأحكام فتثبت سبب سابق وهو كونه مكلفا ، ولهذا يصلح لفظة العتق والتحرير كناية عن الطلاق فكذا عكسه . [ ص: 445 ] ولنا أنه نوى ما لا يحتمله لفظه لأن الإعتاق لغة إثبات القوة والطلاق رفع القيد ، وهذا لأن العبد ألحق بالجمادات وبالإعتاق يحيا فيقدر ، ولا كذلك المنكوحة فإنها قادرة إلا أن قيد النكاح مانع وبالطلاق يرتفع المانع فتظهر القوة ولا خفاء أن الأول أقوى ، ولأن ملك اليمين فوق ملك النكاح فكان إسقاطه أقوى واللفظ يصلح مجازا عما هو دون حقيقته لا عما هو فوقه ، فلهذا امتنع في المتنازع فيه وانساغ في عكسه .

التالي السابق


( قوله وكذا على هذا الخلاف جميع ألفاظ الصريح ) كأنت مطلقة ، والطلاق والكناية ; كما لو قال لأمته : أنت علي حرام أو بائن أو بتلة أو بتة أو بنت مني أو خلية أو برية وحبلك على غاربك واخرجي وقومي واذهبي واغربي واختاري فاختارت نفسها وتقنعي ، أو قال ذلك لعبده ، أو قال له طلقتك لا يعتق في ذلك كله وإن نوى ، بخلاف ما تقدم من قوله أطلقتك ونوى حيث يعتق بالاتفاق . وقال الشافعي : يعتق في ذلك كله إذا نوى . وعن أحمد روايتان : إحداهما كقولنا ، والأخرى كقوله .

( قوله لأن بين الملكين ) أي ملك الرقبة وملك النكاح ( موافقة ) .

( قوله إذ كل منهما إلخ ) حاصله أنه إثبات للمشابهة بين الملكين : أعني ملك الرقبة وملك النكاح وبين التصرفين الواردين عليهما ، أما الأول فإن النكاح في حكم ملك العين شرعا لا ملك المنفعة لترتب لازم ملك العين شرعا عليه وهو اشتراط التأبيد [ ص: 445 ] له كما في البيع وانتفاء لازم ملك المنفعة عنه وهو التوقيت حتى إنه يبطل به ، إذ هو لازم الملك المنفعة : أعني الإجارة ، ويستفاد بكل منهما ملك الوطء بخلاف الإجارة . وأما الثاني فإن كلا من التصرفين إسقاط للملك ، ولهذا يصح تعليقه بالشرط ولزمت السراية فيه ، وأما الأحكام التي هي ملك البيع والشراء والشهادة والقضاء وتملك الأموال وهي معنى القوة الشرعية فليس العتق هو المثبت لها ، بل تثبت بسبب سابق على العتق وهو كون العبد آدميا مكلفا ، فإن هذه خصائص الآدمية ، فالآدمية مع التكليف هي السبب ، وإنما امتنعت بمانع الرق ، وبالعتق يزول المانع فيظهر أثر المقتضى كالزوجة في حق الخروج ، والتزوج امتنع بمانع الزوجية حفظا للنسب ولا يسلب أهليتها عنه ، ثم بالفرقة يزول المانع لها عنه ، ولهذا يصح لفظة العتق والتحرير كناية عن الطلاق فيجب أن يصح الطلاق كناية عن العتق لأن صحة الأول للمناسبة وهي مشتركة لأنها نسبة بين الطرفين فإذا ناسب الشيء غيره ناسبه الآخر .

( قوله ولنا أنه نوى ما لا يحتمله لفظه ) أي ما لا يسوغ استعماله فيه فلم يبق سوى مجرد النية ومجرد النية من غير لفظ مستعمل في المعنى جائز الاستعمال فيه لا يوجب شرعا ثبوت ذلك المسمى الشرعي ، كما لو قال [ ص: 446 ] اسقني ينوي به العتق أو الطلاق لا يقعان . وإنما قلنا : إنه لا يسوغ استعماله فيه لأن مسوغ استعمال اللفظ في المعنى إما وضعه له أو التجوز به فيه ، والأول منتف . وكذا الثاني لأن التجوز له طرق مخصوصة لغة وضع واضع اللغة أنواعها ، وهذا ما يقال إن نوع العلاقة موضوع ووضع نفس اللفظ للمعاني المجازية وضعا عاما ، وهذا ما يقال المجاز موضوع وضعا نوعيا ، وحقيقة الحاصل معنى قوله كل لفظ وجد بين مسماه ومعنى آخر مشترك اعتبرته فلمتكلم أن يطلقه على ذلك المعنى وثبوت اعتباره عنه بأن يثبت عنه أنه استعمل اللفظ باعتبار جزئي من جزئيات ذلك المشترك فثبت به اعتباره لذلك النوع لتحققه في ذلك الجزئي أو نقل اعتباره .

والثابت عنه في علاقة المشابهة أن يكون في وصف خرج ظاهر في المتجوز عنه ثبوته فيه أقوى منه في المتجوز به فيصير المتجوز به مشبها والمتجوز عنه مشبها به ، وقولهم يشترط كونه وصفا مختصا مرادهم كونه ظاهرا في المشبه به المتجوز عنه لا حقيقة الاختصاص وإلا لم يكن مشتركا فلا يتجوز باعتباره إلى ما ليس هو فيه ، فللأول لا يجوز التجوز بأسد للأبخر والمحموم مع أنهما وصفان ملازمان للأسد لعدم ظهورهما وشهرتهما ، وللثاني وجب أن لا يكون المعنى المشترك في محل المجاز أكثر منه في محل الحقيقة .

إذا عرف هذا فنقول : الإعتاق إنما هو إثبات تلك القوة التي فصلنا فروعها للعلم بعدم ملك تلك الأمور قبله . والأصل في إضافة عدم الشيء أن يكون إلى عدم المقتضي لا إلى قيام المانع لأن عدمه وهو الأصل في عدم الحكم ، لأن الغالب ثبوت الحكم عند ثبوت المقتضي ، ولو سلم فالأصل عدم المقتضي فيبقى على العدم ما لم يثبت وجوده ولم يثبت ، ودعواه أنه الآدمية مع التكليف ممنوعة بل مجرد ذلك لا يقتضي ملكا ، أما عقلا فظاهر ، وشرعا لم يثبت بل إنما يثبت شرعا دوران ذلك الملك مع الحرية فلتكن هي السبب الشرعي ، والطلاق لإزالة قيد النكاح فيعمل ملكها القائم عمله حتى يجوز الخروج والتزوج ، وهذا لأن ملكها متحقق الثبوت بعد التزوج حتى جاز بيعها وشراؤها وشهادتها ولم يمتنع منها سوى ما قلنا لحفظ النسب ، ولا مناسبة بين إزالة المانع في محل ليعمل الملك القائم عمله وبين إثبات الملك الزائل لمحل لعلاقة تجوز التجوز ، وهي أن تكون مختصة بالمتجوز عنه : أي ظاهرة مشهورة ثبوتها فيه أقوى منه في محل المجاز المشبه بل هو هنا عكس هذا ، فإن الإسقاط المشترك ثبوته في العتق أكثر وأوفر منه في الطلاق ، والتجوز بلفظ الطلاق يقتضي كون الطلاق هو الأكثر إسقاطا وأشهر به فلذا جاز التجوز بلفظ العتق عن الطلاق لوقوعه على وفق الشرط المذكور وامتنع عكسه ، ولأن العتق سبب لزوال ملك المتعة حيث كان سبب زوال ملك الرقبة فهو فيه لفظ السبب في المسبب ، بخلاف قلبه فإنه المسبب في السبب وهو ممنوع إلا إن اختص وإلا وجد المسبب دون السبب المعين فلا تلازم فلا علاقة ، وما قيل ليس سببا أيضا بدليل أن الأمة لو كانت متزوجة فأعتقها لا يوجب زوال ملك المتعة إنما هو بناء على اعتقاد أن المراد بالسبب العلة وهو منتف .

ولو سلم فالعلة إنما تؤثر عند كون الحكم معدوما قبلها ; ألا يرى أن البول بعد الريح لا يوجب حدثا ولم يخرج بذلك عن كونه علة للحدث ، وعلى من يلتزم أنه يوجب حدثا آخر يمكن أن يقال : أوجب العتق حرمة أخرى للمتعة ، فعن هذا قيل الكنايات منها ما يقع العتق به بلا نية كقوله تصدقت عليك بنفسك [ ص: 447 ] أو ملكتكها أو وهبت نفسك منك أو أوصيت لك بنفسك أو بعت نفسك منك ، فهذه كنايات لا تحتاج إلى النية ; لأن الاحتياج إليها إذا كانت تحتمل معاني وهذه لا تحتمل غير العتق فاستغنت عنها .

ومنها ما يقع بالنية كما تقدم . ومنها ما لا يقع وإن نوى كلفظ الطلاق وكناياته . والتحقيق في مثل الأول أن يقال : إنه ملحق بالصريح كما في مولاي من حيث إن ما سوى العتق انتفت إرادته فتعين فألحق بالصريح ، والانتفاء المعنى المزاحم هنا بسبب تعذر حقيقة الملك للعبد فتعين المعنى المجازي ، وهذا بناء على أن الصريح يخص الوضعي وإلا فيجعلان صريحا ، وبه قال جماعة وهو الحق وقد اخترناه في كتبنا .




الخدمات العلمية