الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وألفاظ الشرط إن وإذا وإذا ما [ ص: 121 ] كل وكلما ومتى ومتى ما ) لأن الشرط مشتق من العلامة ، وهذه الألفاظ مما تليها أفعال فتكون علامات على الحنث ، ثم كلمة إن حرف للشرط لأنه ليس فيها معنى الوقت وما وراءها ملحق بها ، وكلمة كل ليست شرطا حقيقة لأن ما يليها اسم والشرط ما يتعلق به الجزاء والأجزية تتعلق بالأفعال إلا أنه ألحق بالشرط لتعلق الفعل بالاسم [ ص: 122 ] الذي يليها مثل قولك كل عبد اشتريته فهو حر . قال رضي الله عنه : [ ص: 123 ] ( ففي هذه الألفاظ إذا وجد الشرط انحلت وانتهت اليمين ) لأنها غير مقتضية للعموم والتكرار لغة ، فبوجود الفعل مرة يتم الشرط ولا بقاء لليمين بدونه

التالي السابق


( قوله وألفاظ الشرط إلخ ) ومن جملتها لو ومن وأي وأيان وأين وأنى وجميعها تجزم إلا لو وإذا ، [ ص: 121 ] وقيل يجزم بها إذا زيد بعدها ما ، والمشهور أنه إنما يجزم بإذا في الشعر وكذا بلو ، قال لو يشأ طار به ذو ميعة ( قوله لأن الشرط مشتق من العلامة ) يعني من اللفظ الدال على العلامة وهو الشرط بالتحريك ، قال تعالى { فقد جاء أشراطها } أي علاماتها ، وهذا لأن الاشتقاق لا بد فيه من الاشتراك في المادة ولا مشاركة بين لفظ علامة وشرط ( قوله فتكون علامات ) أي يكون وجود الأفعال علامات على الحنث والحنث هو وقوع الجزاء .

فالحاصل أن معنى ألفاظ الشرط علامات وجود الجزاء : أي تدل على ذلك بالذات ، وإلا فكل من هذه ولفظ لو أيضا كذلك في الجملة ، فإنه لما كان كذلك كان المفاد بها امتناع فعل الشرط المستلزم لامتناع الجواب ، نحو لو جاء زيد لأكرمتك فيعرف أن ذلك الفعل إذا وجد استلزم وجود الجواب ، لأن اللازم يثبت عند الملزوم ، وعلى هذا فجميع الأدوات تفيد الوجود للوجود إلا أن لما كانت أدخل حيث وضعت لإفادة أن الشرط قد وجد وفرغ منه خصت بقولنا حرف وجود لوجود ، ولو وضعت لإفادة امتناع الملزوم ودلت على الوجود للوجود بالالتزام فخصت بحرف امتناع ، ولم يذكرها المصنف لأن مقصوده ينافيه : أعني التعليق على ما على خطر الوجود لأنها أفادت تحقق عدمه فلا يحصل معنى اليمين ، ولعدم حصوله لم تذكر لما ، وإن كان لو قال لو دخلت الدار فأنت طالق تعلق الطلاق كما ذكره التمرتاشي .

ويروى عن أبي يوسف رحمه الله لكنه ليس معناها الأصلي ولا المشهور ، ولذا قال بعضهم : لا يتعلق . وفي الحاوي في فروعنا : لو قال : أنت طالق لو تزوجتك تطلق إذا تزوجها ، وقد ورد في قولنا { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية } الآية . فذهب بعض النحويين إلى تجويزه ، وأكثر المحققين أنها ليست إلا للتعليق في الماضي . وأجابوا عن الآية بما يوقف عليه في كلامهم ، وكذا لعدم حصول معنى اليمين في التعليق بلما لم يذكرها وذكر كلا وليست شرطا لثبوت معنى الشرط معها وهو التعليق بأمر على خطر الوجود وهو الفعل الواقع صفة الاسم الذي أضيفت إليه .

[ فروع ] .

قال : أنت طالق لولا دخولك أو لولا أبوك أو لولا مهرك لم يقع ، وكذا في الإخبار بأن قال : طلقت [ ص: 122 ] بالأمس لولا كذا . واعلم أن موضع وجوب الفاء لا يتحقق التعليق إلا بها إلا أن يتقدم فيتعلق بدونها على خلاف في أنه حينئذ هو الجواب أو يضمر الجواب بعده والمتقدم دليله . وأما الفقيه فنظره من جهة المعنى فلا عليه من اعتباره الجواب . فإذا قال : إن دخلت الدار أنت طالق وقع للحال ، فإن نوى تعليقه دين ، وكذا إن نوى تقديمه . وعن أبي يوسف لا يتنجز حملا لكلامه على الفائدة فتضمر الفاء كما في قوله من يفعل الحسنات الله يشكرها ودفع بما إذا أجاب بالواو فإنه يتنجز ويلغو الشرط مع أنه يمكن تعليقه حتى لو نواه دين . وفي الحكم روايتان ذكره في الغاية . قال في الدراية : ولو نوى تقديمه في هذه الصورة قيل : يصح وتحمل الواو على الابتداء ، وفيه ضعف لأن واو الابتداء لا تستعمل إلا في أول كلام ومواضع الفاء جمعت مفاريد في بيت هو هذا :

طلبية واسمية وبجامد وبما ولن وبقد وبالتنفيس



وأحببت ذكر بعض زيادة على ذلك وإيضاحه ليفهم فنظمتها في ثلاثة أبيات وهي هذه :

تعلم جواب الشرط حتم قرانه بفاء إذا ما فعله طلبا أتى
كذا جامدا أو مقسما كان أو بقد ورب وسين أو بسوف ادر يا فتى
أو اسمية أو كان منفي ما وإن ولن من يحد عما حددناه قد عتا



ولو أخر الشرط وأدخل الفاء في الشرط بأن قال : أنت طالق فإن دخلت لا رواية فيه فيمكن أن يقال : يتنجز لأن الفاء فاصلة ، ويمكن أن يقال : يتعلق لأن الفاء حرف تعليق . وقياس المذكور في حذف الفاء في موضع وجوبها ، وذكر الواو مع الجواب أن يكون التنجيز موجب اللفظ إلا أن ينوي التعليق لاتحاد الجامع وهو عدم كون التعليق إذ ذاك مدلول اللفظ فلا يثبت إلا بالنية ، والفاء وإن كان حرف تعليق لكن لا يوجبه إلا في محله فلا أثر له هنا .

ولو قال : أنت طالق إن تنجز عند محمد لعدم ما يتعلق به ، وعند أبي يوسف لا لأن ذكره بيان لإرادته التعليق . ولو قال : أنت طالق دخلت تنجز لعدم التعليق والصفة المعتبرة كالشرط لأن ذلك في غير المعينة مثل المرأة التي أتزوجها طالق ، أما في المعينة فلغو على ما قدمناه أول الباب .

ولو قال أنت طالق أن دخلت بفتح الهمزة وقع في الحال وهو قول الجمهور لأنها للتعليل ، ولا يشترط وجود العلة . وقد ناظر محمد الكسائي في ذلك في مجلس الرشيد فزعم الكسائي أنها بمعنى إذا استدلالا بقوله تعالى { يمنون عليك أن أسلموا } وبقوله تعالى { تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا } وقول محمد أولى إذ لا أصل لجعلها كإذا ، وليس المراد في الآيتين ما ذكر بل التعليل هو المعنى الظاهر فيهما . ولو قال : أنت طالق وإن دخلت الدار طلقت بكل حال لأن الواو في مثله عاطفة على شرط هو نقيض المذكور على ما عرف في موضعه ، تقديره إن لم تدخلي وإن دخلت ، وإن [ ص: 123 ] هذه هي الوصلية ، ويقع في الحال بقوله أنت طالق إذ دخلت وبقوله ادخلي الدار ، وأنت طالق يتعلق بالدخول لأن الحال شرط مثل أد إلي ألفا وأنت طالق لا تطلق حتى تؤدي ( قوله ففي هذه الألفاظ إذا وجد الشرط انحلت وانتهت اليمين لأنها غير مقتضية للعموم والتكرار لغة ، فبوجود الفعل مرة يتم الشرط ) وإذا تم وقع الحنث فلا يتصور الحنث مرة أخرى إلا بيمين أخرى أو بعموم تلك اليمين وليس فليس . وقال بعضهم في متى : إنها تفيد التكرار كقوله :

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد

والحق أنها إنما تفيد عموم الأوقات بمعنى أن أي وقت تأتي تجد ذلك ، ففي متى خرجت فأنت طالق ، المفاد أن أي وقت تحقق فيه الخروج يقع الطلاق ، فإذا تحقق في وقت وقع ، ثم لا يقع بخروج آخر إلا لو أفادت التكرار ، وإن مع لفظ أبدا مؤدى لفظ متى بانفراده ، فإذا قال : إن تزوجت فلانة أبدا فهي طالق فتزوجها فطلقت ثم تزوجها ثانيا لا تطلق ، كذا أجاب أبو نصر الدبوسي .



ومن غرائب المسائل ما في الغاية : من قال لنسوة له : من دخل منكن فهي طالق فدخلت واحدة منهن مرارا طلقت بكل مرة لأن الفعل وهو الدخول أضيف إلى جماعة فيراد به عمومه عرفا مرة بعد أخرى ، واستشهد له بقوله تعالى { ومن قتله منكم متعمدا } أفاد العموم ، ولذا تكرر الجزاء على قاتل واحد ، وبما ذكر محمد في السير الكبير : إذا قال الإمام : من قتل قتيلا فله سلبه فقتل واحد قتيلين فله سلبهما . واستشكل بأن العموم في الأول لعموم الصيد المحلى باللام ، ثم رجع إليه ضمير من قتله فعليه جزاؤه فعم لذلك لا لما ذكر . وعموم الثاني بدلالة الحال وهو أن مراده التشجيع وكثرة القتل . قيل والأولى الاستشهاد بقوله تعالى { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } الآية حيث يحرم القعود مع الواحد في كل مرة فقد أفادت إذا التكرار لعموم الاسم الذي نسب إليه فعل الشرط . والأوجه أن العموم بالعلة لا بالصيغة فيهما لما فيهما من ترتيب الحكم وهو الجزاء في الأول ومنع القعود على المشتق منه وهو القتل والخوض فيتكرر به



وفي المحيط وجوامع الفقه : لو قال : أي امرأة أتزوجها فهي طالق فهو على امرأة واحدة ، بخلاف كل امرأة أتزوجها حيث تعم بعموم الصفة ، واستشكل حيث لم يعم أي امرأة أتزوجها بعموم الصفة .




الخدمات العلمية