الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإذا قال الرجل لامرأته وهو صحيح إذا جاء رأس الشهر أو إذا دخلت الدار أو إذا صلى فلان الظهر أو إذا دخل فلان الدار فأنت طالق فكانت هذه الأشياء والزوج مريض لم ترث ، وإن كان القول في المرض ورثت إلا في قوله إذا دخلت الدار ) وهذا على وجوه : إما أن يعلق الطلاق بمجيء الوقت أو بفعل الأجنبي أو بفعل نفسه أو بفعل المرأة ، وكل وجه على وجهين : أما إن كان التعليق في الصحة والشرط في المرض أو كلاهما في المرض .

أما الوجهان الأولان وهو ما إذا كان التعليق بمجيء الوقت بأن قال إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق أو بفعل الأجنبي بأن قال إذا دخل فلان الدار أو صلى فلان الظهر ، فإن كان التعليق والشرط في المرض فلها الميراث لأن القصد إلى الفرار قد تحقق منه بمباشرة التعليق في حال تعلق حقها بماله ، وإن كان التعليق في الصحة والشرط في المرض لم ترث . وقال زفر رحمه الله ترث لأن المعلق بالشرط ينزل عند وجود الشرط كالمنجز فكان إيقاعا في المرض .

ولنا أن التعليق السابق يصير تطليقا عند الشرط حكما لا قصدا [ ص: 153 ] ولا ظلم إلا عن قصد فلا يرد تصرفه . وأما الوجه الثالث وهو ما إذا علقه بفعل نفسه فسواء كان التعليق في الصحة والشرط في المرض أو كانا في المرض والفعل مما له منه بد أو لا بد له منه يصير فارا لوجود قصد الإبطال ، إما بالتعليق أو بمباشرة الشرط في المرض ، وإن لم يكن له من فعل الشرط بد فله من التعليق ألف بد فيرد تصرفه دفعا للضرر عنها .

وأما الوجه الرابع وهو ما إذا علقه بفعلها ، فإن كان التعليق والشرط في المرض والفعل مما لها منه بد ككلام زيد ونحوه لم ترث لأنها راضية بذلك ، وإن كان الفعل مما لا بد لها منه كأكل الطعام وصلاة الظهر وكلام الأبوين ترث لأنها مضطرة في المباشرة لما لها في الامتناع من خوف الهلاك في الدنيا [ ص: 154 ] أو في العقبى ولا رضا مع الاضطرار . وأما إذا كان التعليق في الصحة والشرط في المرض ، فإن كان الفعل مما لها منه بد فلا إشكال أنه لا ميراث لها ، وإن كان مما لا بد لها منه فكذلك الجواب عند محمد رحمه الله ، وهو قول زفر لأنه لم يوجد من الزوج صنع بعدما تعلق حقها بماله . وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ترث لأن الزوج ألجأها إلى المباشرة فينتقل الفعل إليه كأنها آلة له كما في الإكراه .

التالي السابق


( قوله فأنت طالق ) أي طالق بائن لأن الفرار يثبت به لا بالرجعي والله الموفق . ( قوله إما أن يعلق الطلاق إلخ ) ضبطه إما أن يعلقه بفعل أحد أو لا .

الثاني التعليق بنحو مجيء الغد والأول إما بفعل نفسه أو غيره ، وهو إما المرأة أو أجنبي ، والكل على وجهين : إما أن يكون التعليق ووقوع الشرط في المرض أو الشرط فقط .

ففي التعليق بفعل الأجنبي ومجيء الوقت إن كانا في المرض ورثت لظهور قصد الفرار بالتعليق في حال تعلق حقها بماله ، وإن كان التعليق في الصحة والشرط في المرض لم ترث .

وقال زفر ترث لأن المعلق بالشرط كالمنجز عنده فكان إيقاعا في المرض .

ولنا أن التعليق السابق يصير تطليقا بنفسه عند الشرط حكما لا قصدا : يعني يسلم قول زفر إنه يصير كالمنجز لكن حكما لا قصدا ، ولذا لو كان مجنونا عند الشرط وقع ، ولو حلف بعد [ ص: 153 ] التعليق لا يطلق ثم وجد الشرط لم يحنث ، فلو كان تطليقا عند الشرط حقيقة وحكما لم يقع في الأول وحنث في الثاني ولأنه لم يكن فارا بالتعليق في الصحة وبعده لم يوجد منه صنع في وجود الشرط ولا قدرة له على منع فعل الأجنبي ومجيء الوقت فلا يكون ظالما .

وأما في التعليق بفعل نفسه فترث على كل حال ، وإن كان فعل الشرط ليس له منه بد لوجود قصد الإبطال : إما بالتعليق إن كان في المرض ، أو بمباشرة الشرط إن كان التعليق في الصحة ، وكون الشرط لا بد منه غاية ما يوجب اضطراره ، والاضطرار في جانب الفاعل لا ينفي الضمان ، كمن اضطر إلى أكل مال الغير أو أتلفه نائما أو مخطئا يضمن وإن لم يوصف فعله بالظلم ، وحقها صار معصوما بمرضه فاضطراره إلى إبطاله يرد عليه تصرفه ، إلا أن هذا حكم الفرار مع عدم الفرار ، وما كان موجب الميراث إلا الفرار ولا فرار مع عدم القصد .

وقوله ( وإن لم يكن له من فعل الشرط بد فله من التعليق ألف بد ) ربما يعطي أن المنظور إليه في إثبات حكم الفرار إذا كان الشرط لا بد منه التعليق ، ويستلزم أن لا يثبت الفرار إلا أن يكون التعليق في المرض لكن ثبوت الفرار مع كون الشرط لا بد منه في حالتي كون التعليق في المرض أو الصحة .

وعلى الثاني لا يستقيم النظر إلى التعليق في إثبات الفرار لأنه ليس في حال تعلق حقها .

ويمكن أن يقال إنه اضطرار جاء منه حيث علق بما لا بد منه مع علمه بورود أسباب الموت ، ولأنه لاضطراره إلى الشرط يفعله فكان حال التعليق راضيا بالشرط ، بل إنما علق ليفعل الشرط ويقع الجزاء وفيه ما فيه .

وأما التعليق بفعلها فإن كان التعليق والشرط في المرض والفعل مما لها منه بد ككلام زيد لم ترث .

وقوله ( لأنها راضية بذلك ) أي بالطلاق ، إذ الرضا بالشرط رضا بالمشروط .

أورد عليه ما لو قال أحد الشريكين في العبد لشريكه إن ضربته فهو حر فضربه يعتق وللضارب تضمين الحالف فقد رضي [ ص: 154 ] بالشرط ، ولم يجعل ذلك رضا بالمشروط إذا لم يكن مضطرا إلى فعل الشرط لكنه مضطر في مسألة الإعتاق فإنها موضوعة فيما إذا كان أحد الشريكين قال إن لم أضرب هذا العبد اليوم فهو حر فقال له شريكه إن ضربته فهو حر فضربه فللضارب تضمين الحالف لأنه مضطر إلى فعل الشرط ، وفعل الشرط مضطرا لا يدل على الرضا .

وأجاب في الكافي بأن حكم الفرار ثبت على خلاف القياس بشبهة العدوان فيبطل بما له شبهة الرضا ، ولا كذلك الضمان ، وقد وجد هنا شبهة رضا المرأة فكفى لنفي حكم الفرار ( وإن كان الفعل مما لا بد لها منه كأكل الطعام والصلاة الواجبة وكلام الأبوين ) ومنه قضاء الدين واستيفاؤه والقيام والقعود والتنفس فلها الميراث لأنها مضطرة في المباشرة ( قوله كما في الإكراه ) بأن أكره إنسانا على إتلاف مال صار المكره متلفا حتى يضمن وينتقل الفعل إليه ، فكذا هنا ، وكفعل القاضي فإنه ينتقل إلى الشاهدين حتى يضمنان إذا رجعا لأنه يصير ملجأ حتى لو لم يقض يفسق .

وفي مبسوط فخر الإسلام : الصحيح ما قاله محمد




الخدمات العلمية