الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( الرابع : لبس المخيط والخفين ، إلا أن لا يجد إزارا . فيلبس سراويل ، أو نعلين ، فيلبس خفين . ولا يقطعهما ، ولا فدية عليه ) هذا المذهب ، نص عليه الإمام أحمد في رواية الجماعة ، وعليه الأصحاب ، وهو من المفردات ، وعنه إن لم يقطع الخفين إلى دون الكعبين : فعليه الفدية . قال الخطابي : العجب من الإمام أحمد في هذا يعني في قوله " بعدم القطع " فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه ، وقلت : سنة لم تبلغه . قال الزركشي : قلت : والعجب كل العجب من الخطابي في توهمه عن أحمد مخالفة السنة ، أو خفائها . وقد قال المروذي : احتججت على أبي عبد الله بقول ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقلت : هو زيادة في الخبر ، فقال : هذا حديث ، وذاك حديث ، فقد اطلع على السنة ، وإنما نظر نظرا لا ينظره إلا الفقهاء المتبصرون . وهذا يدل على غايته في الفقه والنظر . انتهى . [ ص: 465 ] وفي الانتصار احتمال : يلبس سراويل للعورة فقط . ويأتي في أول جزاء الصيد : إذا لبس مكرها .

تنبيه : ظاهر قوله ( ولا يقطعهما ) . أنه لا يجوز قطعهما ، وهو صحيح . قال الإمام أحمد : هو إفساد . واحتج المصنف ، والشارح ، وغيرهما بالنهي عن إضاعة المال ، وقدمه في الفروع . وجوز القطع أبو الخطاب وغيره . وقاله القاضي ، وابن عقيل ، وأن فائدة التخصيص : كراهته لغير إحرام . قال المصنف : والأولى قطعهما ، عملا بالحديث الصحيح ، وخروجا عن حالهما من غير قطع .

فوائد . الأولى : الران . كالخف فيما تقدم . الثانية : لو لبس مقطوعا ، دون الكعبين ، مع وجود نعل : لم يجز ، وعليه الفدية ، على الصحيح من المذهب ، نص عليه ، وقدمه في الفروع ، والفائق ، والمغني ، والشرح . وقال القاضي ، وابن عقيل في مفرداته ، والمجد ، والشيخ تقي الدين : يجوز له لبسه . ولا فدية عليه ; لأنه ليس بخف ، فلبس اللالكة والجمجم ونحوهما : يجوز ، على الثاني لا الأول ، وقال [ ص: 466 ] المصنف ، والشارح : وقياس قول الإمام أحمد في اللالكة والجمجم : عدم لبسهما . لا مع عدم النعلين .

الثالثة : لو وجد نعلا لا يمكنه لبسها : لبس الخف ، ولا فدية ، وقدمه في الفروع . اختاره المصنف ، والشارح . قلت : وهو الصواب ، والمنصوص عن الإمام أحمد : أن عليه الفدية بلبس الخف ، وقدمه في الرعايتين ، والحاويين . قلت : هذا المذهب .

الرابعة : يباح النعل كيفما كانت على الصحيح من المذهب . لإطلاق إباحتها ، وقدمه في الفروع . وعنه تجب الفدية في عقب النعل أو قيدها . وهو السير المعترض على الزمام ، وذكره في الإرشاد ، وقال القاضي : مراده العريضين ، وصححه بعضهم ; لأنه معتاد فيها .

تنبيه : شمل قوله " لبس المخيط " ما عمل على قدر العضو ، وهذا إجماع ، ولو كان درعا منسوجا ، أو لبدا معقودا ونحو ذلك . قال جماعة : بما عمل على قدره وقصد به . وقال القاضي وغيره : ولو كان غير معتاد ، كجورب في كف ، وخف في رأس ، فعليه الفدية .

فائدتان . الأولى : لا يشترط في اللبس أن يكون كثيرا ، بل الكثير والقليل سواء . قوله ( ولا يعقد عليه منطقة ، ولا رداء ، ولا غيره ) ، نص عليه ، وليس له أن يحكمه بشوكة ، أو إبرة ، أو خيط ، ولا يزره في عروته ولا يغرزه في إزاره ، فإن فعل أثم وفدى . [ ص: 467 ]

الثانية : يجوز شد وسطه بمنديل وحبل ونحوهما إذا لم يعقده . قال الإمام أحمد في محرم حزم عمامته على وسطه لا يعقدها ، ويدخل بعضها في بعض . جزم به في المغني ، والشرح ، وقال الشيخ تقي الدين : يجوز له شد وسطه بحبل وعمامة ونحوهما . وبرداء لحاجة .

قوله ( ولا يعقد عليه منطقة ) . اعلم أن المنطقة لا تخلو : إما أن تكون فيها نفقته أو لا ، فإن كان فيها نفقته فحكمها حكم الهميان ، على ما يأتي في كلام المصنف ، وإن لم يكن فيها نفقته ، فلا يخلو إما أن يلبسها لوجع أو لحاجة أو غيرهما ، فإن لبسها لوجع أو لحاجة ، فالصحيح أنه يفدي ، وكذا لو لبسها لغير حاجة بطريق أولى ، وفي المستوعب ، والترغيب رواية : أن المنطقة كالهميان ، اختاره الآجري ، وابن أبي موسى ، وابن حامد ، وذكر المصنف وغيره : أن الفرق بينهما النفقة وعدمها ، وإلا فهما سواء . قال في الفروع : وهو أظهر . قوله ( إلا إزاره وهميانه الذي فيه نفقته إذا لم يثبت إلا بالعقد ) أما الإزار إذا لم يثبت إلا بالعقد : فله أن يعقده بلا نزاع ، وأما الهميان : فله أيضا أن يعقده إذا لم يثبت إلا بالعقد إذا كانت نفقته فيه . هذا المذهب ، وعليه الأصحاب ، وفي روضة الفقه لبعض الأصحاب ولم يعلم من هو مصنفها : لا يعقد سيور الهميان . وقيل : لا بأس ، احتياطا على النفقة .

التالي السابق


الخدمات العلمية