الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( الخامس : الاستطاعة ، وهو أن يملك زادا وراحلة ) . هذا المذهب من حيث الجملة ، وعليه جماهير الأصحاب ، وقطع به كثير منهم ، ونص عليه ، واعتبر ابن الجوزي في كشف المشكل الزاد والراحلة في حق من يحتاجهما ، فأما من أمكنه المشي والتكسب بالصنعة : فعليه الحج ، واختاره الشيخ عبد الحليم ولد المجد ووالد الشيخ تقي الدين في القدرة بالتكسب . وقال : هذا ظاهر على أصلنا ، فإن عندنا يجبر المفلس على الكسب ، ولا يجبر على المسألة قال : ولو قيل بوجوب الحج عليه إذا كان قادرا على الكسب ، وإن بعدت المسافة : كان متوجها على أصلنا ، وقال القاضي : ما قاله في كشف المشكل ، وزاد فقال : تعتبر القدرة على تحصيله بصنعة أو مسألة إذا كانت عادته . انتهى . وقيل : من قدر أن يمشي من مكة مسافة القصر : لزمه الحج والعمرة ; لأنه مستطيع ، فيدخل في الآية . ذكره في الرعاية ، فعلى المذهب : يستحب الحج لمن أمكنه المشي والتكسب بالصنعة ، ويكره لمن له حرفة المسألة . قال أحمد : لا أحب له ذلك ، واختلف الأصحاب في قول أحمد " لا أحب كذا " هل هو للتحريم أو الكراهة ؟ على وجهين . على ما يأتي في آخر الكتاب . وعلى المذهب في أصل المسألة : يشترط الزاد ، سواء قربت المسافة أو بعدت . قال في الفروع : والمراد إن احتاج إليه . ولهذا قال ابن عقيل في الفنون : الحج [ ص: 402 ] بدني محض ، ولا يجوز دعوى أن المال شرط في وجوبه ; لأن الشرط لا يحصل المشروط بدونه ، وهو المصحح للمشروط ، ومعلوم أن المكي يلزمه ، ولا مال له . انتهى . ويشترط ملك الزاد ، فإن لم يكن في المنازل لزمه حمله . وإن وجده في المنازل لم يلزمه حمله إن كان بثمن مثله ، وإن وجده بزيادة : ففيه طريقان .

أحدهما : حكمه حكم شراء الماء للوضوء إذا عدم . على ما تقدم في باب التيمم ، وهذا هو الصحيح من المذهب ، قدمه في المغني ، والشرح ، وشرح المجد ، والفروع ، والثاني : يلزمه هنا بذل الزيادة التي لا تجحف بماله وإن منعناه في شراء الماء للوضوء وهي طريقة أبي الخطاب ، وتبعه صاحب المستوعب ، والمصنف في الكافي ، والرعايتين ، والحاويين ، وغيرهم ، وفرقوا بين التيمم وبين هذا بأن الماء يتكرر عدمه ، والحج التزم فيه المشاق . فكذا الزيادة في ثمنه إن كانت لا تجحف بماله . لئلا يفوت . نقله المجد في شرحه ، ويشترط أيضا : القدرة على وعاء الزاد ; لأنه لا بد منه . وأما الراحلة : فيشترط القدرة عليها مع البعد ، وقدره مسافة القصر فقط ، إلا مع العجز ، كالشيخ الكبير ونحوه ; لأنه لا يمكنه ، وقال في الكافي : وإن عجز عن المشي ، وأمكنه الحبو لم يلزمه . قال في الفروع : وهو مراد غيره . قوله في الراحلة ( صالحة لمثله ) . يعني : في العادة ; لاختلاف أحوال الناس ; لأن اعتبار الراحلة للقادر على المشي ; لدفع المشقة . قاله المصنف وجماعة من الأصحاب ، ولم يذكره بعضهم ; لظاهر النص ، واعتبر في المستوعب إمكان الركوب مع أنه قال " راحلة تصلح لمثله " تنبيه : ظاهر كلام المصنف في قوله عن الراحلة " تصلح لمثله " أنه لا يعتبر ذلك في الزاد . وهو صحيح . قال في الفروع : وظاهر كلامهم في الزاد يلزمه ; لظاهر [ ص: 403 ] النص ; لئلا يفضي إلى ترك الحج ، بخلاف الراحلة . قال : ويتوجه احتمال أنه كالراحلة . انتهى . قلت : قطع بذلك في الوجيز ، فقال " ووجد زادا ومركوبا صالحين لمثله " وقال في الفروع : والمراد بالزاد : أن لا يحصل معه ضرر لرداءته .

فائدة : إذا لم يقدر على خدمة نفسه ، والقيام بأمره : اعتبر من يخدمه ; لأنه من سبيله . قاله المصنف ، وقال في الفروع ، وظاهره : عادة مثله في الزاد ، ويلزمه لو أمكنه لزمه ، عملا بظاهر النص ، وكلام غيره يقتضي : أنه كالراحلة لعدم الفرق . قوله ( فاضلا عن مؤنته ومؤنة عياله على الدوام ) .

اعلم أنه يعتبر كفايته وكفاية عياله إلى أن يعود ، بلا خلاف ، والصحيح من المذهب : أنه يعتبر أن يكون له إذا رجع ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام ، من عقار أو بضاعة أو صناعة . وعليه أكثر الأصحاب . وهو ظاهر ما جزم به في الهداية ، والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والعمدة ، والتلخيص ، والبلغة ، وشرح المجد ، ومحرره ، والإفادات ، والنظم ، والحاويين ، وإدراك الغاية ، والمنور ، وغيرهم ; لاقتصارهم عليه ، وقدمه في الفروع ، وتجريد العناية ، وقال في الروضة ، والكافي : يعتبر كفاية عياله إلى أن يعود فقط ، قدمه في الرعايتين ، والفائق . نقل أبو طالب : يجب عليه الحج إذا كان معه نفقة تبلغه مكة ويرجع ويخلف نفقة لأهله حتى يرجع .

تنبيه : ظاهر قوله ( فاضلا عن قضاء دينه ) أنه سواء كان حالا أو مؤجلا ، وسواء كان لآدمي أو لله ، وهو صحيح ، وهو المذهب . وعليه الأصحاب ، وقال في المذهب ، ومسبوك الذهب : وأن لا يكون عليه دين حال يطالب به ، بحيث لو قضاه لم يقدر على كمال الزاد والراحلة . انتهى . [ ص: 404 ] فظاهره : أنه لو كان مؤجلا ، أو كان حالا ، ولكن لا يطالب به : أنه يجب عليه ، ولم يذكره الأكثر ، بل ظاهر كلامهم : عدم الوجوب .

التالي السابق


الخدمات العلمية