الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإذا طلب ) المرتهن ( دينه أمر بإحضار رهنه ) لئلا يصير مستوفيا مرتين إلا إذا كان له حمل أو عند العدل لأنه لم يأتمنه شرح مجمع ( فإن أحضر سلم ) له ( كل دينه أولا ثم ) سلم المرتهن ( رهنه ) تحقيقا للتسوية ( وإن طلب ) دينه ( في غير بلد العقد ) للرهن ( فكذلك ) الحكم ( إن لم يكن للرهن مؤنة ، وإن كان ) لحمله مؤنة ( سلم دينه وإن لم يحضره ) لأن الواجب عليه التسليم بمعنى التخلية لا النقل من مكان إلى مكان .

ونقل القهستاني عن الذخيرة أنه لو لم يقدر على إحضاره أصلا مع قيامه لم يؤمر به ا هـ فليحفظ ( و ) لكن ( للراهن [ ص: 484 ] أن يحلفه بالله ما هلك ) وهذا كله إذا ادعى الراهن هلاكه ، أما إذا لم يدع فلا فائدة في إحضاره ، وكذا الحكم عند كل نجم حل كما حرره ابن الشحنة وقال نظما : ولا دفع ما لم يحضر الرهن أو يكن بغير مكان العقد والحمل يعسر [ ص: 485 ]     كذا النجم أولا دون دعوى مدينه
هلاكا وهذا في النهاية يذكر

التالي السابق


( قوله لئلا يصير مستوفيا مرتين ) أي على تقدير هلاك الرهن .

قال في غرر الأفكار : فإنه لو أمر بقضاء الدين قبل الإحضار فربما يهلك الرهن أو كان هالكا فيصير مستوفيا دينه مرتين ا هـ . ( قوله إلا إذا كان له حمل ) لأنه عاجز شرح مجمع : أي عاجز حكما بما يلحقه من المؤنة .

ونقل الشلبي أنه إن كان في بلد الرهن يؤمر بإحضاره مطلقا ، وإلا فإن لم يكن له حمل ومؤنة فكذا ، وإن كان له حمل لا يؤمر ، وحمل ط ما في شرح المجمع عليه .

أقول : هذا هو المتبادر من كلامهم لكن فيه نظر ، لأن الواجب عليه التخلية لا النقل كما يأتي على أنه يخالف ما في البزازية حيث قال : إن لم يلحقه مؤنة في الإحضار يؤمر به ، وإن كان مما يلحقه مؤنة بأن كان في موضع آخر لا يؤمر به ا هـ .

وفي الذخيرة : الأصل أنه إن قدر على إحضاره بلا مؤنة فللراهن أن يمتنع عن القضاء ، وإن لم يقدر أصلا مع قيام الرهن أو لم يقدر إلا بمؤنة فلا .

ثم قال بعد كلام وإن لقيه في بلد الرهن ، والرهن جارية أمر بإحضارها لقدرته بلا مؤنة ، وتركنا القياس فيما يلحقه مؤنة فبقي ما عداه على أصل القياس ا هـ ملخصا فتأمل . ( قوله أو عند العدل ) سيأتي متنا قريبا ( قوله ثم سلم المرتهن رهنه ) فلو هلك قبل التسليم استرد الراهن ما قضاه لأنه صار مستوفيا عند الهلاك بالقبض السابق ، فكان الثاني استيفاء بعد استيفاء فيجب رده هداية ، وسيأتي آخر الرهن ( قوله تحقيقا للتسوية ) أي في تعيين حق كل .

قال في الذخيرة لأن المرتهن عين حق الراهن فيجب على الراهن تعيين حق المرتهن إلا أن تعيين الدراهم والدنانير لا يقع إلا بالتسليم ليحصل التعيين ا هـ فهو تعليل لوجوب تسليم الدين أولا .

وأما علة الإحضار فقد مرت في قول الشارح لئلا يصير مستوفيا مرتين فافهم . ( قوله للرهن ) متعلق بالعقد ( قوله مع قيامه ) أي قيام الرهن ، واحترز به عما إذا لم يقدر لهلاكه ( قوله لم يؤمر به ) أي كما إذا لم يقدر عليه إلا بمؤنة تلحقه ، وهو مذكور في الذخيرة أيضا كما قدمناه ( قوله ولكن للراهن إلخ ) استدراك على قوله وإن لم يحضره ، وقوله لم يؤمر به فهو تقييد لما قبله ، وعبارة المتن تفيده وإنما أتى بلكن متابعة لعبارة الذخيرة والكفاية وغيرهما فافهم . [ ص: 484 ] قوله أن يحلفه ) أي على البتات لأنه تحليف على الهلاك في يده ذخيرة ( قوله وكذا الحكم عند كل نجم حل ) أي لو كان الدين مقسطا فحل قسط .

قال في النهاية : وكما يكلف المرتهن إحضار الرهن لاستيفاء كل الدين يكلف لاستيفاء نجم قد حل ، هذا إذا ادعى الراهن هلاك الرهن وطلب من القاضي أن يأمره بالإحضار ليظهر حاله فيأمره به إن كان في بلد الرهن .

أما إذا لم يدع هلاكه فلا حاجة إلى إحضاره إذ لا فائدة فيه ا هـ ملخصا ، ومثله في الزيلعي .

واعترضه العلامة الطرسوسي بأن التقييد بقوله هذا إذا ادعى الراهن هلاك الرهن إلخ من عنده لم يعزه إلى أحد وهو فاسد لأن فيه ترك الاحتياط في القضاء ، بل يأمره القاضي بإحضاره وإن لم يدع الراهن الهلاك لئلا يصير قاضيا بالاستيفاء مرتين إلا أن يصدقه الراهن على بقائه ، وأقره ابن وهبان فقال : تتبعت ما عندي من الكتب فلم أجد هذا القيد ، وعباراتهم تفيد صحة ما ذكره الطرسوسي ، والقياس يقتضي صحة ما في النهاية ، لأن الأصل عدم الهلاك وطلب إحضار المرهون حق الراهن فإذا لم يطلبه لا يجب على الحاكم جبر المرتهن عليه والتحليف على عدم الهلاك فيما لو كان للرهن حمل ومؤنة كالأمر بالإحضار على هذين القولين ا هـ ملخصا من شرح الوهبانية لابن الشحنة : ثم حرر ابن الشحنة المسألة واختار تفصيلا فيها وهو لزوم الإحضار مطلقا في مسألة قضاء الدين بتمامه للتعليل المار .

وأما في قضاء نجم منه فلا يلزم إلا بدعوى الراهن الهلاك لأنه يدفع نجم منه لا يكون مستوفيا لجميع الحق فلا يجبر على إحضار جميع الرهن لكن بدعوى الهلاك توجه الطلب فيلزم الإحضار ثم إن التحليف على هذا التفصيل ا هـ ملخصا .

وقد أورد هذا التفصيل في نظمه الآتي : قال الشرنبلالي : وقد فهم الشارح أن التقييد بطلب المدعي فيما إذا أراد وفاء نجم فقط ولكنه غير مسلم لما علمته من كلام الزيلعي الموافق لكلام النهاية ا هـ .

وأقول وبالله أستعين : الذي يظهر لي أن الحق مع صاحب النهاية وأن القيد للمسألتين كما فهمه الشرنبلالي ، فلا يلزم القاضي أمر المرتهن بالإحضار إلا إذا طلبه الراهن وادعى الهلاك لأنه حقه ، يدل عليه أنه في الذخيرة قيد التحليف على عدم الهلاك بطلب الراهن وتبعه القهستاني ومثله في غرر الأفكار .

وفي البزازية : وإن ادعى أي الراهن هلاكه يحلف المرتهن على قيامه ، فإذا حلف أمر : أي الراهن بأداء الدين ا هـ ولم يقيدوه بصورة وفاء الدين بتمامه أو وفاء نجم منه ، وقد علمت مما مر استواء الأمر بالإحضار والتحليف وجريان النزاع فيهما ، فحيث كان المنقول أنه لا يجب على القاضي تحليفه إلا بطلب صاحب الحق فكذا لا يجب عليه الأمر بالإحضار إلا بالطلب مطلقا ، هذا ما ظهر لفهمي القاصر والله تعالى أعلم ( قوله كما حرره ابن الشحنة ) الذي حرره هو التفصيل كما علمته أفاده ط ( قوله ولا دفع إلخ ) أي لا يدفع الراهن الدين بتمامه ما لم يحضر المرتهن الرهن وإن لم يدع الراهن الهلاك إلا أن يكون في غير بلد الرهن ولحمله مؤنة فيدفع الدين ، وله تحليف المرتهن على عدم الهلاك ، قوله كذا النجم : أي لا يدفع نجما حل ما لم يحضر المرتهن الرهن وإن لم يدع الهلاك ، وحينئذ فحكم النجم والدين بتمامه سواء ، وهذا على غير ما في النهاية : أما على ما فيها فبينهما فرق من حيث إنه في النجم لا يؤمر المرتهن بإحضار الرهن بدون دعوى المديون الهلاك ، وإليه أشار بقوله أولا إلى آخره عطفا على قوله كذا النجم ، والمنفي بلا محذوف دل عليه مضمون الكلام قبله ، فإن قوله ما لم يحضر الرهن يفيد أنه يؤمر بالإحضار : أي ولا يؤمر المرتهن في صورة النجم بالإحضار إلا بدعوى الراهن الهلاك ، هذا تقرير النظم على ما فهمه ابن الشحنة من إرجاع التقييد بدعوى الهلاك في كلام النهاية إلى مسألة النجم فقط ، وادعاء الفرق بينهما وقدمنا ما فيه ( قوله أو يكن إلخ ) هذا يؤيد ما تقدم عن الشلبي من التفصيل ط .

قال السائحاني : وأو هنا [ ص: 485 ] بمعنى إلا والفعل بعدها حقه النصب بأن مضمرة إلا أنه ورد الجزم بها ويصح عطفه على يحضر : أي لا دفع ما لم يكن إلخ ا هـ .

فالمعنى لا دفع مدة لم يكن في غير مكان العقد . أي بأن كان في مكان العقد لأن النفي نفي إثبات ، لكن يبعد قوله والحمل يعسر ، لأنه إذا كان في مكان العقد لا يحتاج إلى حمل ، إلا أن يقال : يمكن أنه نقله إلى داره فيصير معنى البيت لا دفع إذا كان الرهن في بلدة العقد إلا إذا أحضره المرتهن ما لم يكن له حمل ومؤنة .

وعلى هذا فهو مخالف لما مر عن الشلبي مؤيدا لما قدمناه عن البزازية والذخيرة لكنه بعيد فتأمل




الخدمات العلمية