الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإن رهنا رجلا رهنا ) واحدا ( بدين عليهما صح بكل الدين ويمسكه إلى استيفاء كل الدين ) إذ لا شيوع .

( ولو رهن عبدين بألف لا يأخذ أحدهما بقضاء حصته ) لحبس الكل بكل الدين كالمبيع في يد البائع - - [ ص: 499 ] فإن سمى لكل واحد منهما شيئا من الدين له أن يقبض أحدهما إذا أدى ما سمى له بخلاف البيع ) لتعدد العقد بتفصيل الثمن في الرهن لا البيع هو الأصح ( وبطل بينة كل منهما ) أي من رجلين ( على رجل أنه ) أي أن كل واحد ( رهنه هذا الشيء ) كعبد مثلا عنده ( وقبضه ) لاستحالة كون كله رهنا لهذا وكله رهنا لذاك في آن واحد ولا يمكن تنصيفه للزوم الشيوع - [ ص: 500 ] فتهاترتا وحينئذ فتهلك أمانة إذ الباطل لا حكم له هذا ( إن لم يؤرخا ، فإن أرخا كان صاحب التاريخ الأقدم أولى وكذا إذا كان ) الرهن ( في يد أحدهما كان ) ذو اليد ( أحق ) لقرينة سبقه .

( ولو مات راهنه ) أي راهن العبد مثلا ( و ) الحال أن ( الرهن معهما ) أي في أيديهما ( أو لا ) أي أو ليس العبد معهما فإن الحكم واحد زيلعي ( فبرهن كل كذلك ) كما وصفنا ( كان في يد كل واحد منهما نصفه ) أي العبد ( رهنا بحقه ) استحسانا لانقلابه بالموت استيفاء والشائع يقبله .

التالي السابق


( قوله رهنا واحدا ) يعني صفقة واحدة ، لقول الكرخي وهو عبد أو عبدان فليس المراد توحد المرهون بل توحد الرهن أي العقد . ( قوله بدين عليهما ) سواء كان في صفقة واحدة أو كان على كل واحد منهما دين على حدة إتقاني عن الكرخي ( قوله ويمسكه إلخ ) أي فلو أدى أحدهما ما عليه لم يكن له أن يقبض من الرهن شيئا لأن فيه تفريق الصفقة على المرتهن في الإمساك إتقاني ( قوله إذ لا شيوع ) الظاهر أنه علة لقوله صح قال الأتقاني : وذلك لأن رهن الاثنين من الواحد يحصل به القبض من غير إشاعة فصار كرهن الواحد من الواحد . ( قوله لحبس الكل بكل الدين ) فيكون محبوسا بكل جزء من أجزائه مبالغة في حمله على قضاء الدين هداية ، إذ لو أمكن الراهن أخذ ما يحتاج إليه يتكاسل في قضاء الباقي ( قوله كالمبيع إلخ ) [ ص: 499 ] فإن المشتري إذ أدى حصة بعض المبيع من الثمن لا يتمكن من أخذه ( قوله فإن سمى إلخ ) بأن قال رهنتك هذين العبدين كل واحد منهما بخمسمائة وسلمهما إليه ثم نقد خمسمائة وقال أديت عن هذا العبد وأراد أخذه في رواية الأصل ليس له ذلك وفي رواية الزيادات له ذلك كفاية ، فلو قال أحدهما بعشرين والآخر بالباقي ولم يبين هذا من هذا لم يجز الرهن لأنها جهالة تفضي إلى المنازعة عند هلاك أحدهما أو استرداده كما أفاده الأتقاني عن كافي الحاكم ( قوله لتعدد العقد لتفصيل الثمن ) الأصوب إبدال الثمن بنحو البدل لأن المفصل في الرهن هو الدين ( قوله في الرهن لا البيع ) لأن قبول العقد في أحد المرهونين لا يكون شرطا لصحة العقد في الآخر ، حتى إذا قبل في أحدهما صح فيه بخلاف البيع ، لأن العقد فيه لا يتعدد بتفصيل الثمن ، ولهذا لو قبل البيع في أحدهما دون الآخر بطل البيع في الكل ، لأن البائع يتضرر بتفريق الصفقة عليه ، لأن العادة قد جرت بضم الرديء إلى الجيد في البيع فيلحقه الضرر بالتفريق زيلعي ( قوله هو الأصح ) أي الفرق بين ما إذا سمى لكل من المرهونين شيئا وبين ما إذا لم يسم هو الأصح كما في التبيين والكفاية وهو روايات الزيادات ( قوله وبطل بينة كل منهما إلخ ) هذه مسألة مستقلة لا تعلق لها بما سبق درر ، فقوله في العناية إنها من شعب قوله رهنا رجلا فيه نظر ، لأن الرجلين هنا يدعيان أنهما مرتهنان وأن الرجل راهن ، وبه صرح في المعراج بقوله فالحاصل أن المرتهن اثنان والراهن واحد ا هـ فتنبه .

ثم اعلم أن هذه المسألة على وجهين ، لأن الدعوى إما في حياة الراهن أو لا ، والأول على ثلاثة أوجه ، لأن الرهن إما في يد أحد المدعيين فيقضي به له وإن أرخ الآخر لأن اليد لا تنقض بالتاريخ لاحتمال سبقه على التاريخ إلا إذا أثبت الآخر أن عقده قبل قبضه ، وإما أن يكون في أيديهما أو في يد الراهن وفيهما إن أرخا وأحدهما أسبق يقضى له ، وكذا إن أرخ أحدهما ، وإن لم يؤرخا أو أرخا على السواء بطل ، والثاني على ثلاثة أوجه أيضا .

وفيها كلها إن أرخا وأحدهما أسبق قضي له ، وإن لم يؤرخا أو أرخا على السواء ، فإن كان الرهن في أيديهما أو في يد الراهن نصف بينهما استحسانا وبه أخذ أبو حنيفة ا هـ ملخصا من غاية البيان والتتارخانية ( قوله أي أن كل واحد ) تبع فيه المصنف في منحه .

قال ح : صوابه رجوع ضمير أنه والمستتر في رهنه للرجل والبارز لكل واحد منهما ا هـ أي لأن الرجلين مرتهنان لا راهنان كما علمت .

وأقول : يوهم أن حل الشارح خطأ وليس كذلك ، نعم لو أرجع المستتر في رهنه لكل واحد كان خطأ أما ضمير أنه فلا فرق في صحة المعنى بين إرجاعه للرجل أو لكل واحد إلا أن الأول أظهر فتدبر . ( قوله رهنه هذا الشيء عنده ) أقول : الصواب حذف الضمير أو حذف عنده لأن فيه الجمع بين تعدية ( رهن ) إلى مفعوله الآخر بنفسه وبالظرف معا ، وقدمنا أنه يقال رهنت الرجل شيئا ورهنته عنده فتنبه ( قوله لاستحالة كون كله رهنا لهذا وكله رهنا لذاك ) أي على الانفراد بعقدين ، بأن ينفرد كل منهما بحبسه ولا حق فيه لصاحبه ، بخلاف المسألة السابقة في قوله رهن عينا عند رجلين ، واللام في قوله لهذا ولذاك للتعليل تأمل ( قوله ولا يمكن تنصيفه إلخ ) وكذا لا يمكن القضاء بكله لأحدهما بعينه لعدم الأولوية ، ولا يمكن أن يجعل كأنهما ارتهناه معا حين جهالة التاريخ [ ص: 500 ] لأن كلا منهما أثبت ببينته رهن الكل فيكون القضاء بخلاف الدعوى ، أفاده في الهداية ( قوله فتراهنا ) أي تساقطت البينتان لتعذر العمل بهما ، وهذا قياس والاستحسان التنصيف بينهما ، فهذه من المسائل التي رجح فيها القياس على الاستحسان .

( قوله هذا إن لم يؤرخا ) وكذا إن أرخا وتاريخهما سواء إتقاني ( قوله كان صاحب التاريخ الأقدم أولى ) لأنه أثبت العقد في وقت لا ينازعه فيه صاحبه ، وكذلك إن أرخ أحدهما فقط لظهور العقد في حقه من وقت التاريخ وفي حق الآخر للحال إتقاني ( قوله وكذا إذا كان الرهن في يد أحدهما ) أفاد أن ما مر مفروض فيما إذا كان في يد الراهن أو في أيديهما ( قوله كان ذو اليد أحق ) أي سواء أرخ الآخر أو لم يؤرخ كما قدمناه ( قوله لقرينة سبقه ) أي لأن تمكنه من القبض دليل سبق عقده فهو أولى نهاية ( قوله ولو مات راهنه ) أفاد أن ما مر مفروض فيما إذا كانت الدعوى في حياة الراهن ( قوله أي راهن العبد مثلا ) الأولى : أي راهن الشيء لأنه المذكور في المتن ( قوله زيلعي ) حيث قال وقوله : أي قوله الكنز والعبد في أيديهما وقع اتفاقا ، حتى لو لم يكن العبد في أيديهما وأثبت كل واحد فيه الرهن والقبض كان الحكم كذلك ، ولهذا لم يذكر اليد في المسألة الأولى ا هـ وفيه نظر لأنه للاحتراز عما لو كان في يد أحدهما فإنه يقضى به لذي اليد كما في حالة الحياة كما نقله أبو السعود عن شرح باكبر على الكنز وعن الشلبي ونقله ط عن الكشف ( قوله فبرهن كل إلخ ) أي ولم يؤرخا أو أرخا على السواء أما لو أحدهما أسبق قضي له كما قدمناه ، وبقي ما لو أرخ أحدهما وقياس ما مر أنه لو كان الآخر ذا يد وحده قضي له وإلا فللمؤرخ ، هذا ما ظهر لي تأمل .

( قوله كما وصفنا ) أي في صدر المسألة بأن برهن كل أن الرجل رهنه هذا الشيء ( قوله نصفه ) اسم كان ورهنا خبرها وفي يد متعلق به أو بمحذوف ورهنا تمييز تأمل ( قوله لانقلابه إلخ ) بيان للفرق بين المسألتين حيث أخذ في الأولى بالقياس وفي هذه بالاستحسان .

قال الزيلعي : وفي القياس هذا باطل وهو قول أبي يوسف .

ووجه الاستحسان أن العقد لا يراد لذاته بل لحكمه وحكمه في حالة الحياة الحبس والشائع لا يقبله وبعد الموت الاستيفاء بالبيع من ثمنه والشائع يقبله ا هـ ملخصا




الخدمات العلمية