الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( أو اختلط ) المغصوب ( بملك الغاصب بحيث يمتنع امتيازه ) كاختلاط بره ببره . ( أو يمكن بحرج ) كبره بشعيره ( ضمنه وملكه بلا حل انتفاع قبل أداء ضمانه ) أي رضا مالكه بأداء أو إبراء أو تضمين قاض والقياس حله وهو رواية ، فلو غصب طعاما فمضغه حتى صار مستهلكا يبتلعه حلالا في رواية [ ص: 192 ] وحراما على المعتمد حسما لمادة الفساد ( كذبح شاة ) بالتنوين بدل الإضافة : أي شاة غيره ذكره ابن سلطان ( وطبخها أو شيها وطحن بر وزرعه وجعل حديد سيفا وصفر آنية والبناء على ساجة ) بالجيم خشبة عظيمة تنبت بالهند ( وقيمته ) أي البناء ( أكثر منها ) أي من قيمة الساجة يملكها الباني بالقيمة وكذا لو غصب أرضا فبنى عليها أو غرس أو ابتلعت دجاجة لؤلؤة أو أدخل البقر رأسه في قدر أو أودع فصيلا فكبر في بيت المودع ولم يمكن إخراجه إلا بهدم الجدار أو سقط ديناره في محبرة غيره ولم يمكن إخراجه إلا بكسرها ونحو ذلك يضمن صاحب الأكثر قيمة الأقل والأصل أن الضرر الأشد يزال بالأخف ، كما في هذه القاعدة من الأشباه .

ثم قال : ولو ابتلع لؤلؤة فمات لا يشق بطنه ; لأن حرمة الآدمي أعظم من حرمة المال وقيمتها في تركته وجوزه الشافعي قياسا على الشق لإخراج الولد .

قلت : وقدمنا في الجنائز عن الفتح أنه يشق أيضا فلا خلاف . وفي تنوير البصائر أنه الأصح فليحفظ . [ ص: 193 ] بقي لو كانت قيمة الساجة والبناء سواء فإن اصطلحا على شيء جاز ، وإن تنازعا يباع البناء عليهما ، ويقسم الثمن بينهما على قدر مالهما شرنبلالية عن البزازية . بقي لو أراد الغاصب نقض البناء ورد الساجة هل له ذلك إن قضى عليه بالقيمة لا يحل وقبله قولان لتضييع المال بلا فائدة وتمامه في المجتبى

التالي السابق


( قوله بملك الغاصب ) وكذا بمغصوب آخر لما في التتارخانية عن الينابيع : غصب من كل واحد منهما ألفا فخلطهما لم يسعه أن يشتري بهما شيئا مأكولا فيأكله ولا يحل له أكل ما اشترى حتى يؤدي عوضه ا هـ .

وفيها عن المنتقى معه سويق ومع آخر سمن فاصطدما فانصب السمن في سويقه يضمن مثل السمن ، ; لأنه استهلكه دون الآخر ، ; لأن هذا زيادة في السويق وفيها عن الخانية اختلطت نورته بدقيق آخر بلا صنع أحد يباع المختلط ، ويضرب كل واحد منهما بقيمته إذ ليس أحدهما أولى بإيجاب النقصان عليه ( قوله كبره بشعيره ) أي بر الغاصب بشعير الغصب أو بالعكس ( قوله ضمنه وملكه ) أما الضمان فللتعدي ، وأما الملك في التغير وزوال الاسم ، فلأنه أحدث صنعة متقومة وفي الاختلاط لئلا يجتمع البدلان في ملك المغصوب منه .

[ تتمة ] كل موضع ينقطع حق المالك فيه فالمغصوب منه أحق بذلك الشيء من سائر الغرماء حتى يستوفي حقه فإن ضاع ذلك ضاع من مال الغاصب ا هـ أبو السعود عن الحموي عن التتارخانية ، وزاد في البزازية وليس بمنزلة الرهن ( قوله بلا حل انتفاع إلخ ) وفي المنتقى كل ما غاب صاحبه ، ويخاف عليه الفساد فلا بأس بأن ينتفع به بعد ما يشهد على نفسه بضمانه ، ولا يخرجه ذلك من إثم الغصب . وفي جامع الجوامع : اشترى الزوج طعاما أو كسوة من مال خبيث جاز للمرأة أكله ولبسها والإثم على الزوج تتارخانية ( قوله أي رضا مالكه إلخ ) أشار إلى أن المراد بالأداء رضا المالك وهو أعم ( قوله أو تضمين قاض ) فإن الرضا من المالك موجود فيه أيضا ; لأنه لا يقضي إلا بطلبه كما أشير إليه في الهداية عزمية : هذا وما أفاده كلامه من أن الملك في المغصوب ثابت قبل أداء الضمان ، وإنما المتوقف على أداء الضمان الحل هو ما في عامة المتون ، فما في النوازل من أنه بعد الملك لا يحل له الانتفاع لاستفادته بوجه خبيث كالمملوك بالبيع الفاسد عند القبض إلا إذا جعله صاحبه في حل ا هـ مخالف لعامة المتون نبه عليه في المنح . وفي القهستاني وقال بعض المتأخرين : إن سبب الملك الغصب عند أداء الضمان كما في المبسوط ، فلو أبى المالك أخذ القيمة ، وأراد أخذ المغير لم يكن له ذلك كما في النهاية ( قوله وهو رواية ) جعلها في الخلاصة وغيرها قول الإمام والاستحسان قولهما . وفي البزازية وكان الإمام نجم الدين النسفي ينكر أن يكون هذا قول الإمام ، ويقول : أجمع المحققون من أصحابنا أنه لا يملكه إلا بأحد الأمور الثلاثة وقالوا جميعا الفتوى على قولهما ا هـ . قلت : ما قاله المحققون مخالف لعامة المتون كما مر فتدبر ثم رأيت بعضهم نقل أن العلامة قاسما تعقبه [ ص: 192 ] قوله كذبح شاة ) تمثيل لقوله فإن غصب وغير ، أو تنظير لقوله ضمنه وملكه أي كما يضمنه في ذبح شاة إلخ

( قوله بالتنوين بدل الإضافة ) فيه أنهم قسموا تنوين العوض إلى ما يكون عوضا عن جملة أو عن حرف أو عن كلمة كقوله تعالى { - فضلنا بعضهم على بعض - } { وكل في فلك - } { أيا ما تدعوا } - والإضافة أمر معنوي ، فالأنسب إبدالها بالمضاف إليه ، على أن بعض المحققين أنكر القسم الثالث ، وقال إنه من تنوين التمكين يزول مع الإضافة ويثبت مع عدمها ( قوله وطبخها أو شيها ) إنما ذكره ; لأن بمجرد الذبح لا يتغير الاسم بل ولو مع التأريب أي التقطيع ، ; لأنه لا يفوت ما هو المقصود بالذبح بل يحققه سائحاني ( قوله والبناء على ساجة ) في الهداية قال الكرخي والفقيه أبو جعفر : إنما لا ينقض إذا بنى في حوالي الساجة ; لأنه غير متعد في البناء ، أما إذا بنى على نفس الساجة ينقض ; لأنه متعد وجواب الكتاب يرد ذلك وهو الأصح ( قوله بالجيم ) أما الساحة بالحاء فتأتي ( قوله خشبة عظيمة إلخ ) أي صلبة قوية تستعمل في أبواب الدور وبنائها وأساسها أتقاني ( قوله وقيمته أي البناء أكثر منها ) جملة حالية قال في المنح : وأما إذا كان قيمة الساجة أكثر من قيمة البناء ، فلم ينقطع حق المالك عنها ، كما في النهاية عن الذخيرة وبه قيد الزيلعي كلام الكنز ا هـ وفيها عن المجتبى ، فله أخذه وكذا في الساحة أي بالحاء ( قوله وكذا لو غصب أرضا إلخ ) هذه مسألة الساحة بالحاء وستأتي متنا : أي فلو قيمة البناء أكثر يضمن الغاصب قيمة الأرض ولا يؤمر بالقلع وهذا قول الكرخي قال في النهاية وهو أوفق لمسائل الباب : أي مسألة الدجاجة الآتية ونحوها ، لكن في العمادية ونحن نفتي بجواب الكتاب اتباعا لمشايخنا فإنهم كانوا لا يتركونه أي من أنه يؤمر بالقلع والرد إلى المالك مطلقا

وفي الحامدية عن الأنقروي : أنه لا يفتى بقول الكرخي ، صرح به المولى أبو السعود المفتي قال : وبالأمر بالقلع أفتى شيخ الإسلام علي أفندي مفتي الروم أخذا من فتاوى أبي السعود والقهستاني ونعم هذا الجواب ، فإن فيه سد باب الظلم ، ويمكن أن يفرق بين هذه وبين مسألة اللؤلؤة ونحوها بأنه في تلك أمر اضطراري صدر بدون قصد معتبر ، وأما الغصب فهو فعل اختياري مقصود ا هـ ملخصا .

وقد ظهر لك أن الشارح جرى هنا على قول الكرخي ، وكذا فيما سيأتي حيث قيد قول المتن ، يؤمر بالقلع بما إذا كانت قيمة الأرض أكثر فما اقتضاه التشبيه في قوله : وكذا لو غصب أرضا من أنه لا يؤمر بالقلع صحيح ، ; لأن الكلام فيما إذا كانت قيمة البناء أكثر ولم يتعرض لكلام غير الكرخي ، وإن كان المفتى به كما علمت فافهم ( قوله يضمن صاحب الأكثر قيمة الأقل ) فإن كانت قيمتهما على السواء يباع عليهما ، ويقتسمان الثمن تتارخانية ( قوله فمات ) فلو بقي حيا يضمن قيمتها ولا ينظر إلى أن تخرج منه تتارخانية ( قوله وفي تنوير البصائر أنه الأصح ) وفي البزازية وعن محمد : لا يشق بطنه لو درة ، وعليه الفتوى ; لأن الدرة تفسد فيه فلا يفيد الشق [ ص: 193 ] والدنانير لا تفسد . وفي البيري عن تلخيص الكبرى : لو بلع عشرة دراهم ومات يشق وأفاد البيري عدم الخلاف في الدراهم والدنانير لعدم فسادها ، وقد علم اختلاف التصحيح في الدرة ولفظ الفتوى أقوى تأمل ( قوله يباع البناء عليهما ) هكذا العبارة في البزازية والشرنبلالية ، وظاهر أن المراد يباع مع الساجة بقرينة ما بعده ( قوله إن قضى عليه بالقيمة لا يحل ) وإذا نقص لم يستطع رد الساجة شرنبلالية عن الذخيرة ( قوله لتضييع المال ) عبارة القهستاني قيل : يحل وقيل لا يحل لتضييع المال




الخدمات العلمية