الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( والحلال منها ) أربعة أنواع :

الأول ( نبيذ التمر والزبيب إن طبخ أدنى طبخة ) يحل شربه [ ص: 453 ] ( وإن اشتد ) وهذا ( إذا شرب ) منه ( بلا لهو وطرب ) فلو شرب للهو فقليله وكثيره حرام ( وما لم يسكر ) فلو شرب ما يغلب على ظنه أنه مسكر فيحرم ، لأن السكر حرام في كل شراب .

( و ) الثاني ( الخليطان ) من الزبيب والتمر إذا طبخ أدنى طبخة ، وإن اشتد يحل بلا لهو .

( و ) الثالث ( نبيذ العسل والتين والبر والشعير والذرة ) يحل سواء ( طبخ أو لا ) بلا لهو وطرب .

( و ) الرابع ( المثلث ) العنبي وإن اشتد ، وهو ما طبخ من ماء العنب حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه [ ص: 454 ] إذا قصد به استمراء الطعام والتداوي والتقوي على طاعة الله تعالى ، ولو للهو لا يحل إجماعا حقائق .

التالي السابق


( قوله نبيذ التمر والزبيب ) أي ونبيذ الزبيب قال القهستاني : والتمر اسم جنس كما مر ، فيتناول اليابس والرطب والبسر ، ويتحد حكم الكل كما في الزاهدي والنبيذ يتخذ من التمر والزبيب أو العسل أو البر أو غيره ، بأن يلقى في الماء ويترك حتى يستخرج منه مشتق من النبذ : وهو الإلقاء كما أشير إليه في الطلبة وغيره ا هـ ثم قال : فالفرق بينه وبين النبيذ بالطبخ وعدمه كما في النظم . أقول : والظاهر أن قوله وبين النبيذ سبق قلم ، والصواب وبين النقيع لأن الضمير في بينه للنبيذ تأمل ( قوله إن طبخ أدنى طبخة ) وهو أن يطبخ إلى أن ينضج شرنبلالية عن الزيلعي . وقيد به لأن غير المطبوخ من الأنبذة حرام [ ص: 453 ] بإجماع الصحابة إذا غلى واشتد وقذف بالزبد ، وقد ورد في حرمة المتخذ من التمر أحاديث وفي حله أحاديث ، فإذا حمل المحرم على النيء والمحلل على المطبوخ فقد حصل التوفيق واندفع التعارض عيني ، والأحاديث الواردة كلها صحاح ساقها الزيلعي ، ووفق بما ذكر فراجعه . قال الأتقاني : وقد أطنب الكرخي في رواية الآثار عن الصحابة والتابعين بالأسانيد الصحاح في تحليل النبيذ الشديد . والحاصل أن الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بدر كعمر وعلي وعبد الله بن مسعود وأبي مسعود رضي الله عنهم كانوا يحلونه ، وكذا الشعبي وإبراهيم النخعي . وروي أن الإمام قال لبعض تلامذته إن من إحدى شرائط السنة والجماعة أن لا يحرم نبيذ الجر ا هـ . وفي المعراج قال أبو حنيفة : لو أعطيت الدنيا بحذافيرها لا أفتي بحرمتها لأن فيه تفسيق بعض الصحابة ، ولو أعطيت الدنيا لشربها لا أشربها لأنه لا ضرورة فيه وهذا غاية تقواه ا هـ . ومن أراد الزيادة على ذلك والتوفيق بين الأدلة فعليه بغاية البيان ومعراج الدراية ( قوله وإن اشتد ) أي وقذف بالزبد . قال في الزمر : ولم يذكر القذف اكتفاء بما سبق ا هـ ط ( قوله بلا لهو وطرب ) قال في المختار : الطرب خفة تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور ا هـ . قال في الدرر . وهذا التقييد غير مختص بهذه الأشربة بل إذا شرب الماء وغيره من المباحات بلهو وطرب على هيئة الفسقة حرام ا هـ ط .

قلت : وكان ينبغي للمصنف أن يذكر التقييد بعدم اللهو والطرب وعدم السكر بعد الرابع ليكون قيدا للكل ( قوله فلو شرب ما يغلب على ظنه إلخ ) أي يحرم القدر المسكر منه ، وهو الذي يعلم يقينا أو بغالب الرأي أنه يسكره كالمتخم من الطعام ، وهو الذي يغلب على ظنه أنه يعقبه التخمة تتارخانية . فالحرام : هو القدح الأخير الذي يحصل السكر بشربه كما بسطه في النهاية وغيرها ; ويحد إذا سكر به طائعا . قال في منية المفتي شرب تسعة أقداح من نبيذ التمر فأوجر العاشر لم يحد ا هـ . وقال في الخانية . وفيما سوى الخمر من الأشربة المتخذة من التمر والعنب والزبيب لا يحد ما لم يسكر ، ثم قال في تعريف السكران والفتوى على أنه من يختلط كلامه ويصير غالبه الهذيان وتمامه في حدود شرح الوهبانية ( قوله والثاني الخليطان ) لما روي أن ابن عمر سقاه لابن زياد ، وما ورد من النهي محمول على الابتداء أو على غير المطبوخ جمعا بين الأدلة حموي ، وبالأخير يحصل التوفيق بين ما فعله ابن عمر وبين ما روي عنه من حرمة نقيع الزبيب النيء كما أفاده في الهداية ( قوله من الزبيب والتمر ) أو البسر أو الرطب المجتمعين قهستاني ( قوله إذا طبخ أدنى طبخة ) كذا قيده في المعراج والعناية وغيرهما ، والمفهوم من عبارة الملتقى عدم اشتراط الطبخ فيه فليتأمل . ثم هذا إذا لم يكن مع أحد المذكورات ماء العنب وإلا فلا بد من ذهاب الثلثين كما يأتي ( قوله وهو ما طبخ من ماء العنب ) أي طبخا موصولا ، فلو مفصولا ، فإن قيل تغيره بحدوث المرارة وغيرها حل وإلا حرم وهو المختار للفتوى ، وتمامه في خزانة المفتين در منتقى . [ ص: 454 ] وقيد بالعنب لأن الزبيب والتمر يحلان بأدنى طبخة كما مر ، لكن الماء غير قيد ، لأنه لو طبخ العنب كما هو ثم عصر فلا بد من ذهاب ثلثيه بالطبخ في الأصح . وفي رواية يكتفى بأدنى طبخة كما في الهداية . وفيها ولو جمع في الطبخ بين العنب والتمر أو بين التمر والعنب والزبيب لا يحل ما لم يذهب ثلثاه لأن التمر وإن اكتفي فيه بأدنى طبخة فعصير العنب والتمر لا بد أن يذهب ثلثاه فيعتبر جانب العنب احتياطا ، وكذا إذا جمع بين عصير العنب ونقيع التمر .

وفيها : ولو طبخ نقيع التمر والزبيب أدنى طبخة ثم أنقع فيه تمر أو زبيب ، إن كان ما أنقع فيه شيئا يسيرا لا يتخذ النبيذ من مثله يحل وإلا لا .

وفيها : والذي يصب عليه الماء بعدما ذهب ثلثاه بالطبخ حتى يرق ثم يطبخ حكمه كالمثلث ، بخلاف ما إذا صب على العصير ثم يطبخ حتى يذهب ثلثا الكل ، لأن الماء يذهب أولا للطافته أو يذهب الماء منها فلا يكون الذاهب ثلثي ماء العنب أي فلا يحل ( قوله إذا قصد ) متعلق بيحل مقدار ، وفي القهستاني : فإن قصد به استمراء الطعام ، والتقوي في الليالي على القيام ، أو في الأيام على الصيام ، أو القتال لأعداء الإسلام ، أو التداوي لدفع الآلام ، فهو المحل للخلاف بين علماء الأنام .




الخدمات العلمية