الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن بنى أو غرس في أرض غيره بغير إذنه أمر بالقلع والرد ) لو قيمة الساحة أكثر كما مر ( وللمالك أن يضمن له قيمة بناء أو شجر أمر بقلعه ) أي مستحق القلع فتقوم بدونهما ومع أحدهما مستحق القلع فيضمن الفضل [ ص: 195 ] ( إن نقصت الأرض به ) أي بالقلع ولو زرعها يعتبر العرف فإن اقتسموا الغلة أنصافا أو أرباعا اعتبر وإلا فالخارج للزارع وعليه أجر مثل الأرض ، وأما في الوقف فتجب الحصة أو الأجر [ ص: 196 ] بكل حال الفصولين .

التالي السابق


( قوله ومن بنى ) أي بغير تراب تلك الأرض وإلا فالبناء لرب الأرض ، ; لأنه لو أمر بنقضه يصير ترابا كما كان در منتقى في ( قوله بغير إذنه ) فلو بإذنه فالبناء لرب الدار ، ويرجع عليه بما أنفق جامع الفصولين من أحكام العمارة في ملك الغير ، وسيذكر الشارح في شتى الوصايا مسألة من بنى في دار زوجته مفصلة ( قوله لو قيمة الساحة أكثر ) بالحاء المهملة ولو قيمتها أقل ، فللغاصب أن يضمن له قيمتها ، ويأخذها درر عن النهاية ، وهذا على قول الكرخي وقدمنا الكلام عليه آنفا ( قوله أي مستحق القلع إلخ ) وهي أقل من قيمته مقلوعا مقدار أجرة القلع فإن كانت قيمة الأرض مائة وقيمة الشجر المقلوع عشرة ، وأجرة القلع درهم بقيت تسعة دراهم ، فالأرض مع هذا الشجر [ ص: 195 ] تقوم بمائة وتسعة دراهم فيضمن المالك التسعة منح ( قوله إن نقصت الأرض به ) أي نقصانا فاحشا بحيث يفسدها أما لو نقصها قليلا فيأخذ أرضه ، ويقلع الأشجار ويضمن النقصان سائحاني عن المقدسي .

مطلب زرع في أرض الغير يعتبر عرف القرية ( قوله ولو زرعها يعتبر العرف إلخ ) قال في الذخيرة قالوا إن كانت الأرض معدة للزراعة ، بأن كانت الأرض في قرية اعتاد أهلها زراعة أرض الغير ، وكان صاحبها ممن لا يزرع بنفسه ، ويدفع أرضه مزارعة ، فذلك عن المزارعة ، ولصاحب الأرض أن يطالب المزارع بحصة الدهقان على ما هو متعارف أهل القرية النصف أو الربع ، أو ما أشبه ذلك . وهكذا ذكر في فتاوى النسفي ، وهو نظير الدار المعدة للإجارة إذا سكنها إنسان ، فإنه يحمل على الإجارة وكذا هاهنا ، وعلى هذا أدركت مشايخ زماني ، والذي تقرر عندي وعرضته على من أثق به أن الأرض وإن كانت معدة للزراعة ، تكون هذه مزارعة فاسدة إذ ليس فيها بيان المدة ، فيجب أن يكون الخارج كله للمزارعة ، وعلى المزارع أجر مثل الأرض ا هـ .

أقول : لكن سيذكر الشارح في كتاب المزارعة : أن المفتى به صحتها بلا بيان المدة ، وتقع على أول زرع واحد فالظاهر أن ما عليه المشايخ مبني على هذا ، وفي مزارعة البزازية بعد نقله ما مر عن الذخيرة قال القاضي : وعندي أنها إن معدة لها وحصة العامل معلومة عند أهل تلك الناحية جاز استحسانا وإن فقد أحدهما لا يجوز وينظر إلى العادة إذا لم يقر بأنه زرعها لنفسه قبل الزراعة أو بعدها أو كان ممن لا يأخذها مزارعة ويأنف من ذلك فحينئذ تكون غصبا ، والخارج له وعليه نقصان الأرض ، وكذا لو زرعها بتأويل بأن استأجر أرضا لغير المؤجر بلا إذن ربها ، ولم يجزها ربها وزرعها المستأجر لا تكون مزارعة ; لأنه زرعها بتأويل الإجارة ا هـ ( قوله وإلا فالخارج للزارع إلخ ) أي إن لم يكن عرف في دفعها مزارعة ، ولا في قسم حصة معلومة يكون الزارع غاصبا فيكون الخارج له وقوله : وعليه أجر مثل الأرض مشكل ، ولا تفيده النقول المارة ; لأنها حينئذ ليست مما أعد للاستغلال ، حتى يجب عليه الأجر ، بل الواجب عليه نقصانها . اللهم إلا أن يحمل على أنها مال يتيم ، وهو بعيد جدا أو أعدها صاحبها للإجارة ، فتكون مما أعد للاستغلال ، وأما الوقف فيأتي قريبا ، وليس في جامع الفصولين ما يفيد ما ذكره أصلا فإن الذي فيه من الفصل الحادي والثلاثين نحو ما قدمناه عن الذخيرة والبزازية ( قوله وأما في الوقف إلخ ) عبارة الفصولين إلا في الوقف ، فيجب فيه الحصة أو الأجر بأي جهة زرعها أو سكنها أعدت للزراعة أو لا ، وعلى هذا استقر فتوى عامة المتأخرين ا هـ .

ورأيت في هامشه عن مفتي دمشق العلامة عبد الرحمن أفندي العمادي أن قوله تجب الحصة أي في زرع الأرض وقوله : أو الأجر أي في سكنى الدار فقوله : زرعها أي الأرض أو سكنها أي الدار ففيه لف ونشر مرتب ا هـ ودخل في قوله بأي جهة زرعها ما لو زرعها على وجه الغصب صريحا أو دلالة أو على وجه المزارعة أو تأويل عقد ، فإن ذلك مذكور في عبارة الفصولين قبل قوله إلا في الوقف ، وذكر في الإسعاف أنه لو زرع أرض الوقف يلزم أجر مثلها عند المتأخرين ا هـ .

أقول : والظاهر حمله على ما إذا لم يكن عرف أو كان الأجر أنفع للوقف تأمل ويمكن تفسير قول الفصولين فتجب الحصة : أي إن كان عرف ، وقوله أو الأجر أي إن لم يكن عرف أو كان الأجر أنفع تأمل .

[ ص: 196 ] مطلب مهم والحاصل أنها إن كانت الأرض ملكا ، فإن أعدها ربها للزراعة اعتبر العرف في الحصة ، وإلا فإن أعدها للإيجار ، فالخارج للزارع ، وعليه أجر المثل وإلا فعليه النقصان إن انتقصت وإن كانت وقفا فإن ثمة عرف وكان أنفع اعتبر ، وإلا فأجر المثل لقولهم يفتى بما هو أنفع للوقف فاغتنم هذا التحرير المفرد المأخوذ من كلامهم المبدد .

بقي هنا شيء يخفى على كثيرين وهو : ما لو كانت الأرض سلطانية أو وقفا بيد زراعها الذين لهم مشد مسكنها كغالب الأراضي الدمشقية إذا زرعها غير من له المشد بغير إذنه ودفع ما عليها من الحصة للمتكلم عليها ، هل لصاحب المشد أن يطالبه بحصة من الخارج ، أو بأجرة زرعها دراهم أم لا ؟ أجاب في الخيرية بقوله : لا وإن قلنا لا نرفع يده عنها ما دام مزارعا يعطي ما هو المعتاد فيها على وجهه المطلوب ا هـ فعلم بهذا أن الحصة لا يستحقها صاحب المشد ، بل صاحب الإقطاع أو المتولي فتنبه .

وفي الحامدية سئل في أرض وقف سليخة جارية في مشد مسكة رجل زرعها زيد بلا إذن من المتولي ، ولا من ذي المشد ولم تكن في إجارته أجاب : للناظر مطالبة زيد بأجرة مثلها والله أعلم فليحفظ ذلك فإنه مهم ( قوله بكل حال ) علمت معناه مما قدمناه




الخدمات العلمية