الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      ثامنا: النشاط العلمي ودوافعه:

      يختلف النشاط العلمي في دوافعه عندنا وعند غيرنا، فالإنسان الغربي المتطلع دوما (للسيطرة والتسيد) على الآخرين وحضارتهم، وعلى الطبيعة ليحقق أقصى معدل ممكن من (الرفاهية المادية) لذا راح ينتج ما يحتاج وما لا يحتاج، وقد يضع عوائق أمام إنتاج الآخرين، كما قد يحجب العلم عن غيره.

      والعلم في الإسلام (أمانة)، فإذا قصد به وجه الله صار (عبادة)، إننا بحاجة إلى (بلورة) نموذج خاص (للعقلانية) يحكم مسار نشاطنا وإنتاجنا، فالعقلانية الغربية في العلم والتقنية تعتمد الإعلاء من حافز (الربح)، ومثل ذلك (السيطرة) على الطبيعة وقهرها - كأنها عدو- وما تسببه الدول الصناعية من تلوث راح يهدد الحياة البشرية كلها، بينما ينظر الإسلام للطبيعة كشيء سخره الله لخدمة الإنسان، لذا عليه عدم الإضرار به، يقول تعالى: ( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ... ) (لقمان:20)، يقول عالم [ ص: 146 ] الاجتماع "اريك فروم": ".... ثمة عامل لا يقل أهمية، وهو أن علاقتنا بالطبيعة اتسمت بـ(العداء الألد)، مع كوننا من نزوات الطبيعة، ظروف وجودنا تجعلنا جزءا منها، وموهبة العقل تجعلنا نتفوق ونعلو عليها، ومن ثم فقد حاولنا أن نحل المعضلة معضلة وجودنا، وذلك بنبذ (رؤية الخلاص) والمتمثلة في الانسجام بين الجنس البشري والطبيعة، فاتجهنا نحو إخضاعها وقهرها، وتحويلها لخدمة أغراضنا، حتى أصبح هذا (القهر) مرادفا (لتدمير الطبيعة).

      إن روح العداء والإخضاع أعمتنا عن حقيقة: أن للموارد الطبيعية حدودا يمكن أن تستنفد، ويأتي الوقت الذي (سترد) فيه الطبيعة على (جشع) الإنسان... إن المجتمع الصناعي (يحتقر الطبيعة)، بل يحتقر كل ما ليس من صنع (الآلة)، ويحتقر الشعوب، التي لا تصنع الآلة..

      فالناس اليـوم ينجذبون لكل ما هو آلي، وخصوصا الآلة الجبارة، ولكل ما لا روح فيه، بل ينجذبون (للتدمير)". [1]

      معلوم أن الإنسان صانع الحضارة، وناشر العمران، وفي ذات الوقت فهو عدو الحضارة، وناشر الحروب ومشعلها ومسعرها، مفسد للبيئة، ناشر للخـراب، وكما شهدت البشرية ملايين خدمتها أعظم خدمة، فقد شهدت - وما تزال- طغاة عبثوا بالطبيعة، واستهتروا بحياة الأحياء من إنسان وحيوان ونبات.... والله تعـالى حـين رسم للإنسان الأهداف من خلقه، حدد هـدفين كبـيرين: (عبادة الله تعالى)، فقـال: ( وما خلقت الجن والإنس [ ص: 147 ] إلا ليعبدون ) (الذاريات:56)؛ والهدف الثاني: (عمارة الأرض)، فقال تعالى: ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ... ) (هود:61).

      وإذا قامت العبادة على (النص) الصحيح، فإن عمارة الأرض تقوم على المعرفة الجيدة بعلوم الحياة، ودون ذلك لا يتصور عمارة الأرض، فهل يعبد بشر اليوم ربهم عبادة صحيحة، وهل يشتغلون بعمارة الأرض كما ينبغي؟

      التالي السابق


      الخدمات العلمية