الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الدر المختار

وبيع الوفاء  ذكرته هنا تبعا للدرر : صورته أن يبيعه العين بألف على أنه إذا رد عليه الثمن رد عليه العين ، وسماه الشافعية بالرهن المعاد ، ويسمى بمصر بيع الأمانة ، وبالشام بيع الإطاعة ، قيل هو رهن فتضمن زوائده ، وقيل بيع يفيد الانتفاع به ، وفي إقالة شرح المجمع عن النهاية : وعليه الفتوى ، [ ص: 277 ] وقيل إن بلفظ البيع لم يكن رهنا ، ثم إن ذكرا الفسخ فيه أو قبله أو زعماه غير لازم كان بيعا فاسدا ، ولو بعده على وجه الميعاد جاز لزم الوفاء به ; لأن المواعيد قد تكون لازمة لحاجة الناس ، وهو الصحيح كما في الكافي والخانية وأقره خسرو هنا والمصنف في باب الإكراه وابن الملك في باب الإقالة بزيادة . وفي الظهيرية : لو ذكر الشرط بعد [ ص: 278 ] العقد يلتحق بالعقد عند أبي حنيفة ولم يذكر أنه في مجلس العقد أو بعده . وفي البزازية : ولو باعه لآخر باتا توقف على إجازة مشتريه وفاء ولو باعه المشتري فللبائع أو ورثته حق الاسترداد ، وأفاد في الشرنبلالية أن ورثة كل من البائع والمشتري تقوم مقام مورثها نظرا لجانب الرهن فليحفظ ، ولو استأجره بائعه لا يلزمه أجر ; لأنه رهن حكما حتى لا يحل الانتفاع به . قلت : وفي فتاوى ابن الجلبي : إن صدرت الإجارة بعد قبض المشتري المبيع وفاء ولو للبناء وحده فهي صحيحة - [ ص: 279 ] والأجرة لازمة للبائع طول مدة التآجر انتهى فتنبه .

قلت : وعليه فلو مضت المدة وبقي في يده فأفتى علماء الروم بلزوم أجر المثل ويسمونه بيع الاستغلال وفي الدرر صح بيع الوفاء في العقار  استحسانا . واختلف في المنقول . وفي الملتقط والمنية اختلفا أن البيع باتا أو وفاء جد أو هزل القول لمدعي الجد والبتات إلا بقرينة الهزل والوفاء : قلت : لكنه ذكر في الشهادات أن القول لمدعي الوفاء استحسانا كما سيجيء فليحفظ . ولو قال البائع بعتك بيعا باتا  فالقول له [ ص: 280 ] إلا أن يدل على الوفاء بنقصان الثمن كثيرا إلا أن يدعي صاحبه تغير السعر . وفي الأشباه في أواخر قاعدة : العادة محكمة عن المنية : لو دفع غزلا إلى حائك لينسجه بالنصف  جوزه مشايخ بخارى للعرف ، ثم نقل في آخرها عن إجازة البزازية أن به أفتى مشايخ بلخ وخوارزم وأبو علي النسفي أيضا . قال : والفتوى على جواب الكتاب للطحان ; لأنه منصوص عليه ، فيلزم إبطال النص . وفيها من البيع الفاسد : القول السادس في بيع الوفاء أنه صحيح لحاجة الناس فرارا من الربا . وقالوا : ما ضاق على الناس أمر إلا اتسع حكمه ، ثم قال : والحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص ، ولكن أفتى كثير باعتباره ، فأقول على اعتباره : ينبغي أن يفتى بأن ما يقع في بعض الأسواق من خلو الحوانيت  لازم ويصير الخلو في الحانوت حقا له فلا يهلك صاحب الحانوت إخراجه منها ولا إجارتها لغيره ، ولو كانت وقفا ، وكذا أقول على اعتبار العرف الخاص قد تعارف الفقهاء النزول عن الوظائف بمال يعطى لصاحبها فينبغي الجواز ، وأنه لو نزل له وقبض منه المبلغ ثم أراد الرجوع لا يملك ذلك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

[ ص: 281 ] قلت : وأيده في زواهر الجواهر بما في واقعات الضريري : رجل في يده دكان فغاب فرفع المتولي أمره للقاضي فأمره القاضي بفتحه وإجارته ففعل المتولي ذلك وحضر الغائب  فهو أولى بدكانه ، وإن كان له خلو فهو أولى بخلوه أيضا ، وله الخيار في ذلك ، فإن شاء فسخ الإجارة وسكن في دكانه ، وإن شاء أجازها ورجع بخلوه على المستأجر ويؤمر المستأجر بأداء ذلك إن رضي به وإلا يؤمر بالخروج من الدكان ، والله أعلم ا هـ بلفظه .

التالي السابق



الخدمات العلمية