الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر عصيان بكجور على سعد الدولة بن حمدان وقتله

لما وصل بكجور إلى الرقة منهزما من عساكر مصر بدمشق وأقام ، على ما ذكرناه ، واستولى على الرحبة وما يجاور الرقة ، وراسل الملك بهاء الدولة بن بويه بالانضمام إليه ، وكاتب أيضا باذا الكردي المتغلب على ديار بكر والموصل بالمسير [ ص: 447 ] إليه ، وراسل سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان ، صاحب حلب ، بأن يعود إلى طاعته على قاعدته الأولى ، ( ويقطعه منه ) مدينة حمص كما كانت له ، فليس فيهم من أجابه إلى شيء مما طلب ، فبقي في الرقة يراسل جماعة رفقاء من مماليك سعد الدولة ، ويستميلهم ، فأجابوه إلى الموافقة على قصد بلد سعد الدولة ، وأخبروه أنه مشغول بلذاته وشهواته عن تدبير الملك فأرسل حينئذ بكجور إلى العزيز بالله ، صاحب مصر ، يطمعه في حلب ، ويقول له إنها دهليز العراق ، ومتى أخذت كان ما بعدها أسهل منها ، ويطلب الإنجاد بالعساكر . فأجابه العزيز إلى ذلك وأرسل إلى نزال ، والي طرابلس ، وإلى ولاة غيرها من البلاد الشامية يأمرهم بتجهيز العساكر مع نزال إلى بكجور ، والتصرف على ما يأمرهم به من قتال سعد الدولة وقصد بلاده .

وكتب عيسى بن نسطورس النصراني ، وزير العزيز ، إلى نزال يأمره بمدافعة بكجور ، وإطماعه في المسير إليه ، فإذا تورط في قصد سعد الدولة تخلى عنه .

وكان السبب في فعل عيسى هذا ببكجور أنه كان بينه وبين بكجور عداوة مستحكمة ، وولي الوزارة بعد وفاة ابن كلس ، فكتب إلى نزال ما ذكرناه .

فلما وصل أمر العزيز إلى نزال بإنجاد بكجور كتب إليه يعرفه ما أمر به من نجدته بنفسه وبالعساكر معه ، وقال له بكجور : مسيرك عن الرقة يوم كذا ، ومسيري أنا عن طرابلس يوم كذا ، ويكون اجتماعنا على حلب يوم كذا وتابع رسله إليه بذلك ، فسار مغترا بقوله إلى بالس ، فامتنعت عليه ، فحصرها خمسة أيام فلم يظفر بها فسار عنها .

وبلغ الخبر بمسير بكجور إلى سعد الدولة ، فسار عن حلب ومعه لؤلؤ الكبير ، مولى أبيه سيف الدولة ، وكتب إلى بكجور يستميله ويدعوه إلى الموادعة ، ورعاية حق الرق والعبودية ، ويبذل له أن يقطعه من الرقة إلى حمص ، فلم يقبل منه ذلك .

[ ص: 448 ] وكان سعد الدولة قد كاتب الوالي بأنطاكية لملك الروم يستنجده ، فسير إليه جيشا كثيرا من الروم ، وكاتب أيضا من مع بكجور من العرب يرغبهم في الإقطاع ، والعطاء الكثير ، والعفو عن مساعدتهم بكجور ، فمالوا إليه ، ووعدوه الهزيمة بين يديه ، فلما التقى العسكران اقتتلوا ، ( واشتد القتال ) ، فلما اختلط الناس في الحرب وشغل بعضهم ببعض عطف العرب على سواد بكجور فنهبوه ، واستأمنوا إلى سعد الدولة ، فلما رأى بكجور ذلك اختار من شجعان أصحابه أربعمائة رجل ، وعزم على أن يقصد موقف سعد الدولة ويلقي نفسه عليه ، فإما له وإما عليه ، فهرب واحد ممن حضر الحال إلى لؤلؤ الكبير وعرفه ذلك ، فطلب لؤلؤ من سعد الدولة أن يتحرك من موقفه ويقف مكانه ، فأجابه إلى ذلك بعد امتناع . فحمل بكجور ومن معه ، فوصلوا إلى موقف لؤلؤ بعد قتال شديد عجب الناس منه واستعظموه كلهم ، فلما رأى لؤلؤا ألقى نفسه عليه وهو يظنه سعد الدولة ، فضربه على رأسه ، فسقط إلى الأرض ، فظهر حينئذ سعد الدولة وعاد إلى موقفه ، ففرح به أصحابه وقويت نفوسهم ، وأحاطوا ببكجور وصدقوه القتال فمضى منهزما هو وعامة أصحابه ، وتفرقوا ، وبقي منهم معه سبعة أنفس ، وكثر القتل والأسر في الباقين .

ولما طال الشوط ببكجور ألقى سلاحه وسار ، فوقف فرسه ، فنزل عنه وسار راجلا ، فلحقه نفر من العرب ، فأخذوا ما عليه ، وقصد بعض العرب فنزل عليه وعرفه نفسه ، وضمن له حمل بعير ذهبا ليوصله إلى الرقة ، فلم يصدقه لبخله المشهور عنه ، فتركه في بيته وتوجه إلى سعد الدولة ( فعرفه أن بكجور عنده ، فحكمه سعد الدولة ) في مطالبه ، فطلب مائتي فدان ملكا ، ومائة ألف درهم ، ومائة جمل تحمل له حنطة ، وخمسين قطعة ثياب ، فأعطاه ذلك أجمع وزيادة وسير معه سرية ، فتسلموا بكجور وأحضروه عند سعد الدولة ، فلما رآه أمر بقتله ، فقتل ، ولقي عاقبة بغيه وكفره إحسان مولاه .

فلما قتله سعد الدولة سار إلى الرقة فنازلها ، وبها سلامة الرشيقي ، ومعه أولاد بكجور ( وأبو الحسن علي بن الحسن المغربي وزير بكجور ، فسلموا البلد إليه بأمان [ ص: 449 ] وعهود أكدوها وأخذوها عليه لأولاد بكجور وأموالهم ، وللوزير المغربي ، ولسلامة الرشيقي ، ولأموالهم ، فلما خرج أولاد بكجور ) بأموالهم رأى سعد الدولة ما معهم ، فاستعظمه واستكثره .

وكان عنده القاضي ابن أبي الحصن ، فقال سعد الدولة : ما كنت أظن أن بكجور يملك هذا جميعه ، فقال له القاضي : لم لا تأخذه ؟ فهو لك لأنه مملوك ولا يملك شيئا ، ولا حرج عليك ولا حنث . فلما سمع هذا أخذ المال جميعه وقبض عليهم ، وهرب الوزير المغربي إلى مشهد أمير المؤمنين علي ، عليه السلام ، وكتب أولاد بكجور إلى العزيز يسألونه الشفاعة فيهم ، فأرسل إليه يشفع فيهم ، ويأمره أن يسيرهم إلى مصر ويتهدده إن لم يفعل . فأهان الرسول وقال له : قل لصاحبك أنا سائر إليك . وسير مقدمته إلى حمص ليلحقهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية