الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
466 ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ . ذِكْرُ تَقْلِيدِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ السَّلْطَنَةَ وَالْخَلْعِ عَلَيْهِ . فِي هَذِهِ السَّنَةِ ، فِي صَفَرٍ ، وَرَدَ كُوهَرَائِينُ إِلَى بَغْدَاذَ مِنْ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ ، وَجَلَسَ لَهُ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَوَقَفَ عَلَى رَأْسِهِ وَلِيُّ الْعَهْدِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَسَلَّمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى كُوهَرَائِينَ عَهْدَ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ بِالسَّلْطَنَةِ ، وَقَرَأَ الْوَزِيرُ أَوَّلَهُ ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ أَيْضًا لِوَاءً عَقَدَهُ الْخَلِيفَةُ بِيَدِهِ ، وَلَمْ يُمْنَعْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ ، فَامْتَلَأَ صَحْنُ السَّلَامِ بِالْعَامَّةِ ، حَتَّى كَانَ الْإِنْسَانُ تُهِمُّهُ نَفْسُهُ لِيَتَخَلَّصَ ، وَهَنَّأَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسَّلَامَةِ . ذِكْرُ غَرْقِ بَغْدَاذَ . فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَرِقَ الْجَانِبُ الشَّرْقِيُّ وَبَعْضُ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَاذَ . وَسَبَبُهُ أَنَّ دِجْلَةَ زَادَتْ زِيَادَةً عَظِيمَةً ، وَانْفَتَحَ الْقَوْرَجُ عِنْدَ الْمُسَنَّاةِ الْمُعِزِّيَّةِ ، وَجَاءَ فِي اللَّيْلِ سَيْلٌ عَظِيمٌ ، وَطَفَحَ الْمَاءُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ مَعَ رِيحٍ شَدِيدَةٍ ، وَجَاءَ الْمَاءُ إِلَى الْمَنَازِلِ مِنْ فَوْقَ ، وَنَبَعَ مِنَ الْبَلَالِيعِ وَالْآبَارِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ ، وَهَلَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ تَحْتَ الْهَدْمِ ، وَشُدَّتِ الزَّوَارِيقُ تَحْتَ التَّاجِ خَوْفَ الْغَرَقِ . وَقَامَ الْخَلِيفَةُ يَتَضَرَّعُ وَيُصَلِّي ، وَعَلَيْهِ الْبُرْدَةُ ، وَبِيَدِهِ الْقَضِيبُ ، وَأَتَى أَيْتِكِينُ السُّلَيْمَانِيُّ مِنْ عُكْبَرَا ، فَقَالَ لِلْوَزِيرِ : إِنَّ الْمَلَّاحِينَ يُؤْذُونَ النَّاسَ فِي الْمَعَابِرِ ، فَأَحْضَرَهُمْ ، وَتَهَدَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ ، وَأَمَرَ بِأَخْذِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ . وَجَمَعَ النَّاسَ ، وَأُقِيمَتِ الْخُطْبَةُ لِلْجُمُعَةِ فِي الطَّيَّارِ مَرَّتَيْنِ ، وَغَرِقَ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مَقْبَرَةُ أَحْمَدَ ، وَمَشْهَدُ بَابِ التِّبْنِ ، وَتَهَدَّمَ سُورُهُ ، فَأَطْلَقَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ أَلْفَ دِينَارٍ تُصْرَفُ فِي عِمَارَتِهِ ، وَدَخَلَ الْمَاءُ مِنْ شَبَابِيكِ الْبِيمَارِسْتَانِ الْعَضُدِيِّ . وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُحْكَى فِي هَذَا الْغَرَقِ أَنَّ النَّاسَ ، فِي الْعَامِ الْمَاضِي ، كَانُوا قَدْ أَنْكَرُوا كَثْرَةَ الْمُغَنِّيَاتِ وَالْخُمُورِ ، فَقَطَعَ بَعْضُهُمْ أَوْتَارَ عُودِ مُغَنِّيَةٍ كَانَتْ عِنْدَ جُنْدِيٍّ ، فَثَارَ بِهِ الْجُنْدِيُّ الَّذِي كَانَتْ عِنْدَهُ ، فَضَرَبَهُ فَاجْتَمَعَتِ الْعَامَّةُ وَمَعَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ، وَاسْتَغَاثُوا بِالْخَلِيفَةِ وَطَلَبُوا هَدْمَ الْمَوَاخِيرِ وَالْحَانَاتِ وَتَبْطِيلَهَا ، فَوَعَدَهُمْ أَنْ يُكَاتِبَ السُّلْطَانَ فِي ذَلِكَ ، فَسَكَنُوا وَتَفَرَّقُوا . وَلَازَمَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّالِحِينَ الدُّعَاءَ بِكَشْفِهِ ، فَاتَّفَقَ أَنْ غَرِقَتْ بَغْدَاذُ ، وَنَالَ الْخَلِيفَةُ وَالْجُنْدُ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ ، وَعَمَّتْ مُصِيبَتُهُ النَّاسَ كَافَّةً ، فَرَأَى الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أَبِي مُوسَى بَعْضَ الْحُجَّابِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : نَحْنُ نُكَاتِبُ السُّلْطَانَ ، وَنَسْعَى فِي تَفْرِيقِ النَّاسِ ، وَيَقُولُ : اسْكُنُوا إِلَى أَنْ يَرِدَ الْجَوَابُ . فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ كَتَبْنَا ، وَكَتَبْتُمْ ، فَجَاءَ جَوَابُنَا قَبْلَ جَوَابِكُمْ ، يَعْنِي أَنَّهُمْ شَكَوْا مَا حَلَّ بِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ أَجَابَهُمْ بِالْغَرَقِ ، قَبْلَ وُرُودِ جَوَابِ السُّلْطَانِ . ذِكْرُ مُلْكِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ تِرْمِذَ وَالْهُدْنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ سَمَرْقَنْدَ . قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ خَاقَانَ أَلْتَكِينَ صَاحِبَ سَمَرْقَنْدَ مَلَكَ تِرْمِذَ بَعْدَ قَتْلِ السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ ، فَلَمَّا اسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ لِلسُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ سَارَ إِلَى تِرْمِذَ وَحَصَرَهَا ، وَطَمَّ الْعَسْكَرُ خَنْدَقَهَا ، وَرَمَاهَا بِالْمَجَانِيقِ ، فَخَافَ مَنْ بِهَا ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ ، وَخَرَجُوا مِنْهَا وَسَلَّمُوهَا . وَكَانَ بِهَا أَخٌ لِخَاقَانَ أَلْتَكِينَ ، فَأَكْرَمَهُ السُّلْطَانُ ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ ( وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ ) وَأَطْلَقَهُ ، وَسَلَّمَ قَلْعَةَ تِرْمِذَ إِلَى الْأَمِيرِ سَاوْتَكِينَ ، وَأَمَرَهُ بِعَمَارَتِهَا وَتَحْصِينِهَا وَعِمَارَةِ سُورِهَا بِالْحَجَرِ الْمُحْكَمِ ، وَحَفْرِ خَنْدَقِهَا وَتَعْمِيقِهِ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ . وَسَارَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ يُرِيدُ سَمَرْقَنْدَ ، فَفَارَقَهَا صَاحِبُهَا ، وَأَنْفَذَ يَطْلُبُ الْمُصَالَحَةَ ، وَيَضْرَعُ إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ فِي إِجَابَتِهِ إِلَى ذَلِكَ ، وَيَعْتَذِرُ مِنْ تَعَرُّضِهِ إِلَى تِرْمِذَ ، فَأُجِيبُ إِلَى ذَلِكَ ، وَاصْطَلَحُوا ، وَعَادَ مَلِكْشَاهْ عَنْهُ إِلَى خُرَاسَانَ ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى الرَّيِّ ، وَأَقْطَعَ بَلْخَ وَطَخَارِسْتَانَ لِأَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ تُكَشَ . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ . [ الْوَفَيَاتُ ] فِيهَا تُوُفِّيَ زَعِيمُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بِالنِّيلِ فَجْأَةً ، وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِيَازُ أَخُو السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ ، وَكُفِيَ شَرُّهُ كَمَا كُفِيَ شَرُّ عَمِّهِ قَاوَرْتَ بِكْ . وَفِيهَا ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ حَمُو قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيِّ ، وَوَلِيَ ابْنُهُ أَبُو الْحَسَنِ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ الْقَضَاءِ بِالْعِرَاقِ وَالْمَوْصِلِ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ بِسِمْنَانَ ، وَكَانَ هُوَ وَأَبُوهُ مِنَ الْمُغَالِينَ فِي مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ ، وَلِأَبِيهِ فِيهِ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ ، وَهَذَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ أَنْ يَكُونَ حَنَفِيٌّ أَشْعَرِيًّا . وَفِيهَا ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ ، تُوُفِّيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ [ بْنُ ] أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَتَّانِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ، الْحَافِظُ وَكَانَ مُكْثِرًا فِي الْحَدِيثِ ، ثِقَةً ، وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَاذِيُّ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية