الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
437 ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ وُصُولِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ إِلَى هَمَذَانَ وَبَلَدِ الْجَبَلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَك أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ بِالْخُرُوجِ إِلَى بَلَدِ الْجَبَلِ وَمُلْكِهَا ، فَسَارَ إِلَيْهَا مِنْ كِرْمَانَ ، وَقَصَدَ هَمَذَانَ وَبِهَا كُرْشَاسُفُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ ، فَفَارَقَهَا خَوْفًا ، وَدَخَلَهَا يَنَّالُ فَمَلَكَهَا ، وَالْتَحَقَ كُرْشَاسُفُ بِالْأَكْرَادِ الْجَوْزَقَانِ . وَكَانَ أَبُو الشَّوْكِ حِينَئِذٍ بِالدِّينَوَرِ ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى قِرْمِسِينَ خَوْفًا وَإِشْفَاقًا مِنْ يَنَّالَ ، فَقَوِيَ طَمَعُ يَنَّالَ حِينَئِذٍ فِي الْبِلَادِ ، وَسَارَ إِلَى الدِّينَوَرِ فَمَلَكَهَا وَرَتَّبَ أُمُورَهَا ، وَسَارَ مِنْهَا يَطْلُبُ قِرْمِسِينَ‏ . ( فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو الشَّوْكِ بِهِ سَارَ إِلَى حُلْوَانَ وَتَرَكَ بِقِرْمِسِينَ ) مَنْ فِي عَسْكَرِهِ مِنَ الدَّيْلَمِ وَالْأَكْرَادِ الشَّاذِنْجَانِ لِيَمْنَعُوهَا وَيَحْفَظُوهَا ، وَوَافَاهُمْ يَنَّالُ جَرِيدَةً ، فَقَاتَلُوهُ ، فَدَفَعُوهُ عَنْهَا ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَعَادَ بِخَرْكَاهَاتِهِ وَحُلَلِهِ ، فَقَاتَلُوهُ فَضَعُفُوا عَنْهُ وَعَجَزُوا عَنْ مَنْعِهِ ، فَمَلَكَ الْبَلَدَ فِي رَجَبٍ عَنْوَةً ، وَقَتَلَ مِنَ الْعَسَاكِرِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً ، وَأَخَذَ أَمْوَالَ مَنْ سَلِمَ مِنَ الْقَتْلِ وَسِلَاحَهُمْ ، وَطَرَدَهُمْ ، وَلَحِقُوا بِأَبِي الشَّوْكِ ، وَنَهَبَ الْبَلَدَ ، وَقَتَلَ وَسَبَى كَثِيرًا مِنْ أَهْلِه‏ِ . وَلَمَّا سَمِعَ أَبُو الشَّوْكِ ذَلِكَ سَيَّرَ أَهْلَهُ وَأَمْوَالَهُ وَسِلَاحَهُ مِنْ حُلْوَانَ إِلَى قَلْعَةِ السِّيرَوَانِ ، وَأَقَامَ جَرِيدَةً فِي عَسْكَرِهِ ، ثُمَّ إِنَّ يَنَّالَ سَارَ إِلَى الصَّيْمَرَةِ فِي شَعْبَانَ فَمَلَكَهَا وَنَهَبَهَا ، وَأَوْقَعَ بِالْأَكْرَادِ الْمُجَاوِرِينَ لَهَا مِنَ الْجَوْزَقَانِ ، فَانْهَزَمُوا ، وَكَانَ كُرْشَاسُفُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ نَازِلًا عِنْدَهُمْ ، فَسَارَ هُوَ وَهُمْ إِلَى بَلَدِ شِهَابِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْفَوَارِسِ مَنْصُورِ بْنِ الْحُسَيْنِ‏ . ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ سَارَ إِلَى حُلْوَانَ وَقَدْ فَارَقَهَا أَبُو الشَّوْكِ ، وَلَحِقَ بِقَلْعَةِ السِّيرَوَانِ ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ آخِرَ شَعْبَانَ وَقَدْ جَلَا أَهْلُهَا عَنْهَا وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ ، فَنَهَبَهَا وَأَحْرَقَهَا ، وَأَحْرَقَ دَارَ أَبِي الشَّوْكِ ، وَانْصَرَفَ بَعْدَ أَنِ اجْتَاحَهَا وَدَرَسَهَا‏ . وَتَوَجَّهَ طَائِفَةٌ مِنَ الْغُزِّ إِلَى خَانِقِينَ فِي أَثَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ حُلْوَانَ كَانُوا سَارُوا بِأَهْلِيهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، فَأَدْرَكُوهُمْ وَظَفِرُوا بِهِمْ وَغَنِمُوا مَا مَعَهُمْ ، وَانْتَشَرَ الْغُزُّ فِي تِلْكَ النَّوَاحِي ، فَبَلَغُوا مَايَدَشْتَ وَمَا يَلِيهَا ، فَنَهَبُوهَا وَأَغَارُوا عَلَيْهَا‏ . فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ أَزْعَجَتْهُ وَأَقْلَقَتْهُ ، وَكَانَ بِخُوزِسْتَانَ ، فَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ ، وَدَفْعِ يَنَّالَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْغُزِّ عَنِ الْبِلَادِ ، فَأَمَرَ عَسَاكِرَهُ بِالتَّجَهُّزِ لِلسَّفَرِ إِلَيْهِمْ ، فَعَجَزُوا عَنِ الْحَرَكَةِ لِكَثْرَةِ مَا مَاتَ مِنْ دَوَابِّهِمْ ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ سَارَ نَحْوَ بِلَادِ فَارِسَ ، فَحَمَلَ الْعَسْكَرُ أَثْقَالَهُمْ عَلَى الْحَمِيرِ . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ خُطِبَ لِلْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ بِأَصْبَهَانَ وَأَعْمَالِهَا ، وَعَادَ الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ إِلَى طَاعَتِه‏ِ . وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا عَصَى عَلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ ، وَقَصَدَ كِرْمَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَالْتَجَأَ إِلَى طَاعَةِ طُغْرُلْبَك - لَمْ يَبْلُغْ مَا كَانَ يُؤَمِّلُهُ مِنْ طُغْرُلْبَك ، فَلَمَّا عَادَ طُغْرُلْبَك إِلَى خُرَاسَانَ خَافَ أَبُو مَنْصُورٍ مِنَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ ، فَرَاسَلَهُ فِي الْعَوْدِ إِلَى طَاعَتِهِ ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَاصْطَلَحَا‏ . وَفِيهَا اصْطَلَحَ أَبُو الشَّوْكِ وَأَخُوهُ مُهَلْهِلٌ ، وَكَانَا مُتَقَاطِعَيْنِ مِنْ حِينِ أَسَرَ مُهَلْهِلٌ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ أَبِي الشَّوْكِ وَمَوْتِ أَبِي الْفَتْحِ فِي سِجْنِه‏ِ . ‏ فَلَمَّا كَانَ الْآنَ وَخَافَا مِنَ الْغُزِّ تَرَاسَلَا فِي الُلْحِ ، وَاعْتَذَرَ مُهَلْهِلٌ ، وَأَرْسَلَ وَلَدَهُ أَبَا الْغَنَائِمِ إِلَى أَبِي الشَّوْكِ ، وَحَلَفَ لَهُ أَنَّ أَبَا الْفَتْحِ تُوُفِّيَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ ، وَقَالَ‏ : ‏ هَذَا وَلَدِي تَقْتُلُهُ عِوَضَهُ . فَرَضِيَ أَبُو الشَّوْكِ وَحْسَنَ إِلَى أَبِي الْغَنَائِمِ ، وَرَدَّهُ إِلَى أَبِيهِ ، وَاصْطَلَحَا وَاتَّفَقَا‏ . وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى خَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْمَسْلَمَةِ وَاسْتَوْزَرَهُ ، وَلَقَّبَهُ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ ، وَهُوَ ابْتِدَاءُ حَالِه‏ِ . وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ ذَا السَّعَادَاتِ بْنَ فَسَانْجِسَ وَزِيرَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ - كَانَ يُسِيءُ الرَّأْيَ فِي عَمِيدِ الرُّؤَسَاءِ وَزِيرِ الْخَلِيفَةِ ، فَطَلَبَ مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنْ يَعْزِلَهُ فَعَزَلَهُ ، وَاسْتَوْزَرَ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ نِيَابَةً ، ثُمَّ خَلَعَ عَلَيْهِ وَجَلَسَ فِي الدَّسْت‏ِ . وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ سَارَ سُرْخَابُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِنَّازٍ أَخُو أَبِي الشَّوْكِ إِلَى الْبَنْدَنِيجِينَ ، وَبِهَا سَعْدِي بْنُ أَبِي الشَّوْكِ ، فَفَارَقَهَا سَعْدِي وَلَحِقَ بِأَبِيهِ ، وَنَهَبَ سُرْخَابٌ بَعْضَهَا ، وَكَانَ أَبُو الشَّوْكِ قَدْ أَخَذَ بَلَدَ سُرْخَابٍ مَا عَدَا دَزْدِيلُويَةَ ، وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ لِذَلِك‏َ . وَفِيهَا فِي آخِرِ رَمَضَانَ تُوُفِّيَ أَبُو الشَّوْكِ فَارِسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِنَّازٍ بِقَلْعَةِ السِّيرَوَانِ ، وَكَانَ مَرِضَ لَمَّا سَارَ إِلَى السِّيرَوَانِ ( مِنْ حُلْوَانَ ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ غَدَرَ الْأَكْرَادُ بِابْنِهِ ) سَعْدِي ، وَصَارُوا مَعَ عَمِّهِ مُهَلْهِلٍ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ مَضَى سَعْدِي إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ وَأَتَى بِالْغُزِّ ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏ . وَفِيهَا قُتِلَ عِيسَى بْنُ مُوسَى الْهَذْبَانِيُّ صَاحِبُ إِرْبِلَ ، وَكَانَ خَرَجَ إِلَى الصَّيْدِ ، فَقَتَلَهُ ابْنَا أَخٍ لَهُ ، وَسَارَا إِلَى قَلْعَةِ إِرْبِلَ فَمَلَكَاهَا ، وَكَانَ سَلَّارُ بْنُ مُوسَى أَخُو الْمَقْتُولِ نَازِلًا عَلَى قِرْوَاشِ بْنِ الْمُقَلِّدِ ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ ، لِنُفْرَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ ، فَلَمَّا قُتِلَ سَارَ قِرْوَاشٌ مَعَ السَّلَّارِ إِلَى إِرْبِلَ فَمَلَكَهَا وَسَلَّمَهَا إِلَى السَّلَّارِ ، وَعَادَ قِرْوَاشٌ إِلَى الْمَوْصِل‏ِ . وَفِيهَا كَانَتْ بِبَغْدَاذَ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الْكَرْخِ وَبَابِ الْبَصْرَةِ ، وَقِتَالٌ اشْتَدَّ قُتِلَ فِيهِ جَمَاعَةٌ . ( وَفِيهَا وَقَعَ الْبَلَاءُ وَالْوَبَاءُ فِي الْخَيْلِ ، فَهَلَكَ مِنْ عَسْكَرِ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَرَسٍ ، وَعَمَّ ذَلِكَ الْبِلَادَ ) . [ الْوَفَيَاتُ ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ أَبُو الْحَسَنِ الْكَاتِبُ بِوَاسِطٍ ، صَاحِبُ الرَّسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية