الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
351 ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الرُّومِ عَلَى عَيْنِ زَرْبَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ ، نَزَلَ الرُّومُ مَعَ الدُّمُسْتُقِ عَلَى عَيْنِ زَرْبَةَ ، وَهِيَ فِي سَفْحِ جَبَلٍ عَظِيمٍ ، وَهُوَ مُشْرِفٌ عَلَيْهَا ، وَهُمْ جَمْعٌ عَظِيمٌ ، فَأَنْفَذَ بَعْضَ عَسْكَرِهِ ، فَصَعِدُوا الْجَبَلَ فَمَلَكُوهُ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُهَا ، وَأَنَّ الدُّمُسْتُقَ قَدْ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ وَمَعَهُ الدَّبَّابَاتُ ، وَقَدْ وَصَلَ إِلَى السُّورِ وَشَرَعَ فِي النَّقْبِ ، طَلَبُوا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمُ الدُّمُسْتُقُ ، وَفَتَحُوا لَهُ بَابَ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَهَا ، فَرَأَى أَصْحَابُهُ الَّذِينَ فِي الْجَبَلِ قَدْ نَزَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَنَدِمَ عَلَى إِجَابَتِهِمْ إِلَى الْأَمَانِ . وَنَادَى فِي الْبَلَدِ أَوَّلَ اللَّيْلِ بِأَنْ يَخْرُجَ جَمِيعُ أَهْلِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فِي مَنْزِلِهِ قُتِلَ ، فَخَرَجَ مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَنْفَذَ رِجَّالَتَهُ فِي الْمَدِينَةِ ، وَكَانُوا سِتِّينَ أَلْفًا ، وَأَمَرَهُمْ بِقَتْلِ مَنْ وَجَدُوهُ فِي مَنْزِلِهِ ، فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا ( مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، وَأَمَرَ بِجَمْعِ مَا فِي الْبَلَدِ مِنَ السِّلَاحِ فَجُمِعَ ، فَكَانَ شَيْئًا كَثِيرًا ) . وَأَمَرَ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْبَلَدِ حَيْثُ شَاءُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ ، وَمَنْ أَمْسَى قُتِلَ ، فَخَرَجُوا مُزْدَحِمَيْنِ ، فَمَاتَ بِالزَّحْمَةِ جَمَاعَةٌ ، وَمَرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ لَا يَدْرُونَ أَيْنَ يَتَوَجَّهُونَ ، فَمَاتُوا فِي الطُّرُقَاتِ ، وَقَتَلَ الرُّومُ مَنْ وَجَدُوهُ بِالْمَدِينَةِ آخِرَ النَّهَارِ ، وَأَخَذُوا كُلَّ مَا خَلَّفَهُ النَّاسُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ ، وَهَدَمُوا سُورَيِ الْمَدِينَةِ . وَأَقَامَ الدُّمُسْتُقُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ أَحَدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَفَتَحَ حَوْلَ عَيْنِ زَرْبَةَ أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ حِصْنًا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْضُهَا بِالسَّيْفِ وَبَعْضُهَا بِالْأَمَانِ ، وَإِنَّ حِصْنًا مِنْ تِلْكَ الْحُصُونِ الَّتِي فُتِحَتْ بِالْأَمَانِ أَمَرَ أَهْلَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ فَخَرَجُوا ، فَتَعَرَّضَ أَحَدُ الْأَرْمَنِ لِبَعْضِ حُرَمِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلِحَقَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَةٌ عَظِيمَةٌ ، فَجَرَّدُوا سُيُوفَهُمْ ، فَاغْتَاظَ الدُّمُسْتُقُ لِذَلِكَ ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ رَجُلٍ ، وَقَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، وَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا مَنْ يَصْلُحُ أَنْ يُسْتَرَقَّ . فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الصَّوْمُ ، انْصَرَفَ عَلَى أَنْ يَعُودَ بَعْدَ الْعِيدِ ، وَخَلَّفَ جَيْشَهُ بِقَيْسَارِيَّةَ ، وَكَانَ ابْنُ الزَّيَّاتِ صَاحِبُ طَرَسُوسَ ، قَدْ خَرَجَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ مِنَ الطَرَسُوسِيِّينَ ، فَأَوْقَعَ بِهِمُ الدُّمُسْتُقُ ، فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ ، وَقَتَلَ أَخًا لِابْنِ الزَّيَّاتِ ، فَعَادَ إِلَى طَرَسُوسَ ، وَكَانَ قَدْ قَطَعَ الْخُطْبَةَ لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ ( بْنِ حَمْدَانَ ، فَلَمَّا أَصَابَهُمْ هَذَا الْوَهَنُ ، أَعَادَ أَهْلُ الْبَلَدِ الْخُطْبَةَ لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ ) وَرَاسَلُوهُ بِذَلِكَ ، فَلَمَّا عَلِمَ ابْنُ الزَّيَّاتِ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ ، صَعِدَ إِلَى رَوْشَنَ فِي دَارِهِ فَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنْهُ إِلَى نَهْرٍ تَحْتَهُ فَغَرِقَ ، وَرَاسَلَ أَهْلُ بَغْرَاسَ الدُّمُسْتُقَ ، وَبَذَلُوا لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَأَقَرَّهُمْ وَتَرَكَ مُعَارَضَتَهُمْ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية