الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ خَبَرِ أَرْدَشِيرَ بَهْمَنَ وَابْنَتِهِ خُمَانَى ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ بَشْتَاسِبَ ابْنُ ابْنِهِ أَرْدَشِيرُ بَهْمَنُ بْنُ إِسْفِنْدِيَارَ ، وَكَانَ مُظَفَّرًا فِي مُغَازِيهِ ، وَمَلَكَ أَكْثَرَ مِنْ أَبِيهِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ ابْتَنَى بِالسَّوَادِ مَدِينَةً وَسَمَّاهَا أَيَاوَانَ أَرْدَشِيرَ ، وَهِيَ الْقَرْيَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِهُمَيْنِيَا بِالزَّابِ الْأَعْلَى ، وَابْتَنَى بِكُوَرِ دِجْلَةَ الْأُبُلَّةَ ، وَسَارَ إِلَى سِجِسْتَانَ طَالِبًا بِثَأْرِ أَبِيهِ ، فَقَتَلَ رُسْتَمَ وَأَبَاهُ دِسْتَانَ وَابْنَهُ فُرَامُرْزَ . وَبَهْمَنُ هُوَ أَبُو دَارَا الْأَكْبَرِ ، وَأَبُو سَاسَانَ أَبِي مُلُوكِ الْفُرْسِ الْأَحْرَارِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابِكَ وَوَلَدِهِ ، وَأُمُّ دَارَا خُمَانَى ابْنَةُ بَهْمَنَ ، فَهِيَ أُخْتُهُ وَأُمُّهُ . وَغَزَا بَهْمَنُ رُومِيَّةَ الدَّاخِلَةَ فِي أَلْفِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ ، وَكَانَ مُلُوكُ الْأَرْضِ يَحْمِلُونَ إِلَيْهِ الْإِتَاوَةَ ، وَكَانَ أَعْظَمَ مُلُوكِ الْفُرْسِ شَأْنًا وَأَفْضَلَهُمْ تَدْبِيرًا . وَكَانَتْ أُمُّ بَهْمَنَ مِنْ نَسْلِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ ، وَأُمُّ ابْنِهِ سَاسَانَ مِنْ نَسْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ . وَكَانَ مُلْكُ بَهْمَنَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَقِيلَ : ثَمَانِينَ سَنَةً ، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا مَرْضِيًّا فِيهِمْ ، وَكَانَتْ كُتُبُهُ تَخْرُجُ : مِنْ عَبْدِ اللَّهِ خَادِمِ اللَّهِ السَّائِسِ لِأُمُورِكُمْ . ثُمَّ مَلَكَتْ بَعْدَهُ ابْنَتُهُ خُمَانَى ، مَلَّكُوهَا حُبًّا لِأَبِيهَا وَلِعَقْلِهَا وَفُرُوسِيَّتِهَا ، وَكَانَتْ تُلَقَّبُ بِشَهْرَزَادَ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا مَلَكَتْ لِأَنَّهَا حِينَ حَمَلَتْ مِنْهُ دَارَا الْأَكْبَرَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَعْقِدَ التَّاجَ لَهُ فِي بَطْنِهَا وَيُؤْثِرَهُ بِالْمُلْكِ ، فَفَعَلَ بَهْمَنُ وَعَقَدَ التَّاجَ عَلَيْهِ حَمْلًا فِي بَطْنِهَا ، وَسَاسَانُ بْنُ بَهْمَنَ رَجُلٌ يَتَصَنَّعُ لِلْمُلْكِ ، فَلَمَّا رَأَى فِعْلَ أَبِيهِ لَحِقَ بِإِصْطَخْرَ وَتَزَهَّدَ وَلَحِقَ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ وَاتَّخَذَ غَنَمًا ، وَكَانَ يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ ، فَاسْتَبْشَعَتِ الْعَامَّةُ ذَلِكَ مِنْهُ . وَهَلَكَ بَهْمَنُ وَابْنُهُ دَارَا فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، فَمَلَّكُوهَا ، وَوَضَعَتْهُ بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنْ مُلْكِهَا ، فَأَنِفَتْ مِنْ إِظْهَارِ ذَلِكَ وَجَعَلَتْهُ فِي تَابُوتٍ وَجَعَلَتْ مَعَهُ جَوَاهِرَ وَأَجْرَتْهُ فِي نَهْرِ الْكَرِّ مِنْ إِصْطَخْرَ ، وَقِيلَ : بِنَهْرِ بَلْخَ . وَسَارَ التَّابُوتُ إِلَى طَحَّانٍ مِنْ أَهْلِ إِصْطَخْرَ ، فَفَرِحَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ ، فَحَضَنَتْهُ امْرَأَتُهُ ، ثُمَّ ظَهَرَ أَمْرُهُ حِينَ شَبَّ ، فَأَقَرَّتْ خُمَانَى بِإِسَاءَتِهَا ، فَلَمَّا تَكَامَلَ امْتُحِنَ فَوُجِدَ عَلَى غَايَةِ مَا يَكُونُ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ ، فَحَوَّلَتِ التَّاجَ إِلَيْهِ وَسَارَتْ إِلَى فَارِسَ وَبَنَتْ مَدِينَةَ إِصْطَخْرَ ، وَكَانَتْ قَدْ أُوتِيَتْ ظَفَرًا وَأَغْزَتِ الرُّومَ وَشَغَلَتِ الْأَعْدَاءَ مِنْ تَطَرُّقِ بِلَادِهَا ، وَخَفَّفَتْ عَنْ رَعِيَّتِهَا الْخَرَاجَ ، وَكَانَ مُلْكُهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً . وَقِيلَ : إِنَّ خُمَانَى أُمَّ دَارَا حَضَنَتْهُ حَتَّى كَبِرَ فَسَلَّمَتِ الْمُلْكَ إِلَيْهِ وَعَزَلَتْ نَفْسَهَا ، فَضَبَطَ الْمُلْكَ بِشَجَاعَةٍ وَحَزْمٍ . وَنَرْجِعُ إِلَى ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُقَابَلَةِ تَارِيخِ أَيَّامِهِمْ إِلَى حِينِ تَصَرُّمِهَا وَمُدَّةِ مَنْ كَانَ أَيَّامَهُمْ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ . قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى سَبَبَ انْصِرَافِ مَنِ انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانَ بُخْتُنَصَّرُ سَبَاهُمْ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ كِيرَشَ بْنِ أَخْشُوِيرَشَ ، وَمُلْكُهُ بِبَابِلَ مِنْ قِبَلِ بَهْمَنَ ، وَأَرْبَعُ سِنِينَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي مُلْكِ ابْنَتِهِ خُمَانَى ، وَكَانَتْ مُدَّةُ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ لَدُنْ خَرَّبَهُ بُخْتُنَصَّرُ مِائَةَ سَنَةٍ ، كُلُّ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ بَهْمَنَ بَعْضُهُ وَفِي أَيَّامِ ابْنَتِهِ خُمَانَى بَعْضُهُ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ كِيرَشَ هُوَ بَشْتَاسِبُ ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَلَمْ يَمْلِكْ كِيرَشُ مُنْفَرِدًا قَطُّ . وَلَمَّا عُمِّرَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَرَجَعَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ كَانَ فِيهِمْ عَزِيزٌ ، وَكَانَ الْمَلِكُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْفُرْسِ إِمَّا رَجُلٌ مِنْهُمْ وَإِمَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إِلَى أَنْ صَارَ الْمُلْكُ بِنَاحِيَتِهِمْ لِلْيُونَانِيَّةِ وَالرُّومِ لِسَبَبِ غَلَبَةِ الْإِسْكَنْدَرِ عَلَى النَّاحِيَةِ حِينَ قَتَلَ دَارَا بْنَ دَارَا وَكَانَ جُمْلَةُ مُدَّةِ ذَلِكَ فِيمَا قِيلَ ثَمَانِيًا وَثَمَانِينَ سَنَةً .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية