الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
5077 - (صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة، وذلك أن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، وتصلي الملائكة عليه ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه، يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه أو يحدث فيه) (حم ق د هـ) عن أبي هريرة - (صح) .

التالي السابق


(صلاة الرجل) ومثله المرأة؛ حيث شرع لها الخروج إلى الجماعة؛ لأن وصف الرجولية بالنسبة لثواب الأعمال معتبر شرعا، وأل فيه ليست لتعريف الماهية المعلوم من حيث المعنى (في جماعة) في رواية في الجماعة (تزيد) في رواية البخاري تضعف؛ أي: تزاد (على صلاته في بيته وصلاته في سوقه) منفردا (خمسا) وفي رواية بضعا (وعشرين درجة) وفي رواية بدله ضعفا وأخرى جزءا، وفي رواية: خمس وعشرين، قال الزركشي: كذا وقع في الصحيحين بخفض خمس بتقدير الباء وأصله بخمس، قال الطيبي : صلاة الرجل مبتدأ والمضاف محذوف؛ أي: ثواب صلاته والضمير في "تزيد" راجع إليه، وفي تخصيص ذكر السوق والبيت إشعار بأن مضاعفة الثواب على غيرها من الأماكن التي لم يلزمه لزومها لم تكن أكثر مضاعفة منهما اهـ. وقضية الحديث أن الصلاة بالمسجد جماعة تزيد على بيته وسوقه جماعة وفرادى، قال ابن دقيق العيد: [ ص: 218 ] والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردا لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردا، قال: وبه يرتفع استشكال تسوية الصلاة في البيت والسوق، وقال ابن حجر : لا يلزم من حمل الحديث على ظاهره التسوية؛ إذ لا يلزم من استوائهما في المفضولية عن المسجد كون أحدهما أفضل من الآخر، وكذا لا يلزم كون الصلاة جماعة في بيت أو سوق لا فضل فيها على الصلاة منفردا بل الظاهر أن التضعيف المذكور يختص بالجماعة في مسجد، والصلاة بالبيت مطلقا أولى منها بالسوق؛ لأن الأسواق محل الشياطين، والصلاة جماعة ببيت أو سوق أفضل من الانفراد (وذلك) ؛ أي: التضعيف المذكور سببه (أن أحدكم) وفي رواية أحدهم (إذا توضأ) فالأمور المذكورة علة للتضعيف وسبب له، وإذا كان كذلك فما ترتب على متعدد لا يوجد بوجود بعضه إلا إذا دل دليل على إلغاء ما ليس معتبرا أو مقصودا لذاته (فأحسن الوضوء) بأن أتى بواجباته ومندوباته (ثم أتى المسجد) في رواية للبخاري ثم خرج إلى المسجد، وظاهره عدم التقييد بالفورية، فلا يضر التراخي ولو لعذر (لا يريد إلا الصلاة) ؛ أي: إلا قصد الصلاة المكتوبة في جماعة، وظاهره ونصه اشتراط أن يخرج لها لا لغيرها فلو خرج لها ولعبادة كعيادة لم ينل الفضل المذكور، وهو كمن حج لنسك ونحو تجارة، وفيه كلام معروف، وإسناد الفعل للصلاة وجعلها هي المخرجة كأنه لفرط محافظته لها ورجائه ثوابها (لم يخط) بفتح الياء وضم الطاء (خطوة) بضم أوله وتفتح، قال في الصحاح: بالضم ما بين القدمين، وبالفتح المرة الواحدة، وجزم اليعمري بأنها هنا بالفتح، وقال القرطبي: هي في رواية مسلم بالضم (إلا رفعه الله بها) بالخطوة (درجة) ؛ أي: منزلة عالية في الجنة (وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في صلاة) ؛ أي: في حكمها فهو مجاز؛ إذ الصلاة لا تكون ظرفا له حقيقة، فكيف بمن في حكمه، كذا قرره بعضهم، وليس تقريره بمرضي، وإنما الوجه ما سلكه الحافظ ابن حجر من قوله في صلاة؛ أي: في ثواب صلاة لا في حكمها لحل الكلام وغيره مما منع في الصلاة له (ما كانت) وفي رواية للبخاري: ما دامت (الصلاة تحبسه) ؛ أي: تمنعه من الخروج من المسجد (وتصلي الملائكة) الحفظة فقط أو هم وغيرهم (عليه) ؛ أي: تستغفر له (ما دام في مجلسه) ما مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام جلوسه في المحل (الذي يصلي فيه) ؛ أي: المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد، قال ابن حجر : ولعله للغالب فلو قام لبقعة أخرى منه ناويا انتظار الصلاة كان كذلك، قال: ويؤخذ من قوله: الذي صلى فيه، أن ذلك مقيد بمن صلى ثم انتظر صلاة أخرى، وتتقيد الصلاة الأولى بكونها مجزئة (يقولون: اللهم اغفر له) جملة مبينة لقوله تصلي عليه، وهو أفخم من لو قيل ابتداء لا تزال الملائكة تقول: اللهم صل عليه للإبهام والتبيين (اللهم ارحمه) طلبت له الرحمة من الله بعد طلب الغفران؛ لأن صلاة الملائكة على الآدمي استغفار له (اللهم تب عليه) ؛ أي: وفقه للتوبة، وتقبلها منه، وهذا موافق لقوله ويستغفرون لمن في الأرض قيل: وسره أنهم يطلعون على أفعال الآدميين وما فيها من المعصية والخلل في الطاعة، فإن فرض أن فيهم من حفظ عوض من المغفرة بمقابلها من الثواب ويستمر هذا شأنه (ما لم يؤذ فيه) أحدا من الخلق بيد أو لسان؛ فإنه كالحديث المعنوي ومن ثم أتبعه بالحدث الظاهري، فقال: (أو يحدث فيه) بالتخفيف من الحدث، قال التوربشتي: وأخطأ من شدد، قال ابن بطال: المراد بالحدث حدث الفرج لكن يؤخذ منه أن تجنب حدث اليد واللسان بالأولى؛ لأنهما أشد إيذاء، وفي رواية للشيخين بدل قوله: لا يريد إلا الصلاة لا ينهزه إلا الصلاة؛ أي: لا يخرجه وينهضه

[ ص: 219 ] إلا إياها، واستنبط منه أفضلية الصلاة على سائر العبادات وصالحي البشر على الملائكة [تنبيه] قال في الفتح: هذا الحديث قد تمسك به من ذهب إلى عدم وجوب الجماعة وأنها سنة فقط لاقتضائه ثبوت صحة ما في البيت إلى الصحة والفضيلة بلا جماعة، وجوابه أنه لا يستلزم أكثر من ثبوت صحة ما في البيت والسوق في الجملة بلا جماعة، ولا ريب فيه إذا فاتت الجماعة فالمعنى صلاة الجمعة أفضل من صلاته في بيته فيما يصح فيه، ولو كان مقتضاه الصحة مطلقا بلا جماعة لم يدل على ندبها لجواز أن الجماعة ليست من أفعال الصلاة فيكون تركها مؤثما لا مفسدا

(حم ق د هـ عن أبي هريرة ) قضية صنيع المصنف أن كلا منهم روى الحديث كله هكذا، وليس كذلك بل قوله: (اللهم تب عليه) ليس عند الشيخين بل هو لابن ماجه كما ذكره القسطلاني



الخدمات العلمية