الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
4688 - (سددوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أنه لن يدخل أحدكم الجنة عمله، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة) (حم ق) عن عائشة - (صح) .

التالي السابق


(سددوا) ؛ أي: اقصدوا السداد؛ أي: الصواب أو بالغوا في التصويب؛ من سدد الرجل: إذا صار ذا سداد، وسد في رميته: إذا بالغ في تصويبها وإصابتها (وقاربوا) ؛ أي: لا تغلوا، والمقاربة القصد في الأمور التي لا غلو فيها ولا تقصير (وأبشروا) بالثواب الجزيل (واعلموا أنه لن يدخل) بكسر الخاء (أحدكم) أيها المؤمنون (الجنة عمله) بل فضل الله ورحمته، قال القاضي : أراد بيان أن النجاة من العذاب والفوز بالثواب بفضل الله ورحمته، والعمل غير مؤثر فيهما على سبيل الإيجاب والاقتضاء، بل غايته أنه يعد العامل لأن يتفضل عليه ويقرب إليه الرحمة، كما قال تعالى إن رحمت الله قريب من المحسنين وليس المراد توهين العمل ونفيه، بل توقيف العباد على أن العمل إنما يتم بفضل الله وبرحمته؛ لئلا يتكلوا على أعمالهم اغترارا بها، ولا يعارضه ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ؛ لأن الحديث في الدخول، والآية في حصول المنازل فيها، وقال الكرماني: الباء في بما كنتم ليست سببية، بل للملابسة؛ أي: أورثتموها ملابسة لأعمالكم؛ أي: لثواب أعمالكم، أو للمقابلة؛ نحو: أعطيته الشاة بدرهم، أو المراد جنة خاصة بتلك الخاصية الرفيعة العالية بسبب الأعمال، وأما أصل الدخول فبالرحمة لا بالعمل، قال: وجواب النووي بأن دخول الجنة بسبب العمل، والعمل بالرحمة، فيرد بأن المقدمة الأولى خلاف صريح الحديث، فلا يلتفت إليها (ولا أنا) عدل عن مقتضى الظاهر وهو: ولا إياي؛ انتقالا عن [ ص: 104 ] الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية فتقديره: ولا أنت[أنا] ممن ينجيه عمله؛ استبعادا عن هذه النسبة إليه (إلا أن يتغمدني الله بمغفرته ورحمته) ؛ أي: ليسترني، مأخوذ من: غمد السيف في غمده؛ ويجعل رحمته محيطة بي إحاطة الغلاف بما يحفظ فيه، ذكره القاضي، قال بعض العارفين: من قابله بأفعاله قابله بعدله، ومن قابله بإفلاسه قابله بفضله، قال الرافعي: فيه أنه لا ينبغي لعامل أن يتكل على عمله في طلب النجاة ونيل الدرجات؛ لأنه إنما عمل بتوفيق الله، وإنما ترك المعصية لعظمة الله، فكل ذلك بفضله ورحمته

[تنبيه] أخرج الحكيم الترمذي عن جابر قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (خرج من عندي جبريل آنفا، فقال: يا محمد، إن لله عبدا عبد الله خمسمائة سنة على رأس جبل، والبحر محيط به وأخرج له عينا عذبة بعرض الأصبع، تفيض بماء عذب، وشجرة رمان تخرج كل ليلة رمانة فيتغذى بها، فإذا أمسى نزل وأصاب من الوضوء ثم قام لصلاته، فسأل ربه أن يقبضه ساجدا، وأن لا يجعل للأرض ولا لشيء يفسده، عليه سبيلا، حتى يبعث ساجدا، ففعل، فنحن نمر به إذا هبطنا وإذا عرجنا وأنه يبعث يوم القيامة، فيوقف بين يدي الله، فيقول: أدخلوه الجنة برحمتي، فيقول: بل بعملي يا رب، فيقول للملائكة: قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله، فتوزن فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة، وتبقى نعمة الجسد فضلا عليه، فيقول: أدخلوه النار، فينادي يا رب، برحمتك، فيقول: ردوه، فيوقف بين يديه فيقول: من خلقك ولم تك شيئا، فيقول: أنت يا رب، فيقول: أكان ذلك من قبلك أم برحمتي؟ فيقول: برحمتك، فيقول: أدخلوه الجنة برحمتي) فهذا الذي ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث، وإنما ينجيه يوم القيامة برحمته، وهل خرجت الأعمال من الأركان إلا بتوفيقه، وهل كان له التوفيق إلا برحمته .

[فائدة] قال الغزالي : اجتمع ابن واسع وابن دينار، فقال ابن دينار: إما طاعة الله أو النار، فقال ابن واسع: إما رحمة الله أو النار، فقال ابن دينار: ما أحوجني إلى معلم مثلك، وقال البسطامي: كابدت العبادة ثلاثين سنة فسمعت قائلا يقول: يا أبا يزيد خزائنه مملوءة من العبادة، إن أردت الوصول إليه فعليك بالذلة والافتقار، (تتمة) قال ابن عطاء الله: من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل، ولا تفرحك الطاعة؛ لأنها برزت منك، وافرح بها؛ لأنها برزت من الله قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون

(حم ق عن عائشة )



الخدمات العلمية