الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ الْخُلْفِ بَيْنَ بَدْرِ بْنِ حَسَنَوَيْهِ وَابْنِهِ هِلَالٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ بَدْرِ بْنِ حَسَنَوَيْهِ الْكُرْدِيِّ وَبَيْنَ ابْنِهِ هِلَالٍ . وَكَانَ سَبَبُ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّ أُمَّ هِلَالٍ كَانَتْ مِنَ الشَّاذَنْجَانَ ، فَاعْتَزَلَهَا أَبُوهُ عِنْدَ وِلَادَتِهِ ، فَنَشَأَ هِلَالٌ مُبْعَدًا مِنْهُ لَا يَمِيلُ إِلَيْهِ ، وَكَانَتْ نِعْمَةُ بَدْرٍ لِابْنِهِ الْآخَرِ أَبِي عِيسَى . فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ خَرَجَ هِلَالٌ مَعَ أَبِيهِ مُتَصَيِّدًا ، فَرَأَيَا سَبُعًا ، وَكَانَ بَدْرٌ إِذَا رَأَى سَبُعًا قَتَلَهُ بِيَدِهِ ، فَتَقَدَّمَ هِلَالٌ إِلَى الْأَسَدِ بِغَيْرِ إِذَنْ أَبِيهِ فَقَتَلَهُ ، فَاغْتَاظَ أَبُوهُ وَقَالَ : كَأَنَّكَ قَدْ فَتَحْتَ فَتْحًا ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ السَّبُعِ وَالْكَلْبِ ؟ وَرَأَى إِبْعَادَهُ عَنْهُ لِشِدَّتِهِ ، فَأَقْطَعَهُ الصَّامَغَانَ ، وَسَهَّلَ ذَلِكَ عَلَى هِلَالٍ لِيَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ عَنْ أَبِيهِ ، فَأَوَّلُ مَا فَعَلَهُ أَنَّهُ أَسَاءَ مُجَاوَرَةَ ابْنِ الْمَاضِي صَاحِبِ شَهْرَزُورَ ، وَكَانَ مُوَافِقًا لِأَبِيهِ بَدْرٍ ، فَنَهَى بَدْرٌ ابْنَهُ هِلَالًا عَنْ مُعَارَضَتِهِ فَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلَهُ ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الْمَاضِي يَتَهَدَّدُهُ ، فَأَعَادَ بَدْرٌ مُرَاسَلَةَ ابْنِهِ فِي مَعْنَاهُ ، وَتَهَدَّدَهُ إِنْ تَعَرَّضَ بِشَيْءٍ هُوَ لَهُ ، فَكَانَ جَوَابُ نَهْيِهِ أَنَّهُ جَمَعَ عَسْكَرَهُ وَحَصَرَ شَهْرَزُورَ فَفَتَحَهَا ، وَقَتَلَ ابْنَ الْمَاضِي وَأَهْلَهُ ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ . فَوَرَدَ عَلَى بَدْرٍ مِنْ ذَلِكَ مَا أَزْعَجَهُ وَأَقْلَقَهُ ، وَأَظْهَرَ السُّخْطَ عَلَى هِلَالٍ . وَشَرَعَ هِلَالٌ يُفْسِدُ جُنْدَ أَبِيهِ وَيَسْتَمِيلُهُمْ وَيَبْذُلُ لَهُمْ ، فَكَثُرَ أَصْحَابُ هِلَالٍ لِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وَبَذْلِهِ الْمَالَ لَهُمْ ، وَأَعْرَضَ النَّاسُ عَنْ بَدْرٍ لِإِمْسَاكِهِ الْمَالَ ، فَسَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ ، فَالْتَقَيَا عَلَى بَابِ الدِّينَوَرَ ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ انْحَازَتِ الْأَكْرَادُ إِلَى هِلَالٍ ، فَأُخِذَ بَدْرٌ أَسِيرًا ، وَحُمِلَ إِلَى ابْنِهِ ، فَأُشِيرَ عَلَى هِلَالٍ بِقَتْلِهِ ، وَقَالُوا : لَا يَجُوزُ أَنْ تَسْتَبْقِيَهُ بَعْدَمَا أَوْحَشْتَهُ ، فَقَالَ : مَا بَلَغَ مِنْ عُقُوقِي لَهُ أَنْ أَقْتُلَهُ ، وَحَضَرَ عِنْدَ أَبِيهِ وَقَالَ لَهُ : أَنْتَ الْأَمِيرُ ، وَأَنَا مُدَبِّرُ جَيْشِكِ . فَخَادَعُهُ أَبُوهُ بِأَنْ قَالَ لَهُ : لَا يَسْمَعَنَّ هَذَا مِنْكَ أَحَدٌ فَيَكُونَ هَلَاكُنَا جَمِيعًا ، وَهَذِهِ الْقَلْعَةُ لَكَ ، وَالْعَلَامَةُ فِي تَسْلِيمِهَا كَذَا وَكَذَا ، وَاحْفَظِ الْمَالَ الَّذِي بِهَا ، فَإِنَّكَ الْأَمِيرُ مَا دَامَ النَّاسُ يَظُنُّونَ بَقَاءَهُ ، وَأُرِيدُ أَنْ تُفْرِدَ لِي قَلْعَةً أَتَفَرَّغُ فِيهَا لِلْعِبَادَةِ . فَفَعَلَ ذَلِكَ ، وَأَعْطَاهُ جُمْلَةً مِنَ الْمَالِ . فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بَدْرٌ بِالْقَلْعَةِ عَمَّرَهَا وَحَصَّنَهَا ، وَرَاسَلَ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ عَنَّازٍ ، وَأَبَا عِيسَى شَاذِي بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ بِأَسَادَابَاذَ ، يَقُولُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِيَقْصِدَ أَعْمَالَ هِلَالٍ وَيُشَعِّثَهَا . فَسَارَ أَبُو الْفَتْحِ إِلَى قَرْمِيسِينَ فَمَلَكَهَا ، وَسَارَ أَبُو عِيسَى إِلَى سَابُورَ خَوَاسْتَ ، فَنَهَبَ حُلَلَ هِلَالٍ ، وَمَضَى إِلَى نَهَاوَنْدَ ، وَبِهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ رَافِعٍ ، فَاتَّبَعَهُ هِلَالٌ إِلَيْهَا وَوَضَعَ السَّيْفَ فِي الدَّيْلَمِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَمِائَةِ نَفْسٍ ، مِنْهُمْ تِسْعُونَ أَمِيرًا ، وَأَسْلَمَ ابْنُ رَافِعٍ أَبَا عِيسَى إِلَى هِلَالٍ فَعَفَا عَنْهُ ، وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ عَلَى فِعْلِهِ ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ . وَأَرْسَلَ بَدْرٌ إِلَى الْمَلِكِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ يَسْتَنْجِدُهُ فَجَهَّزَ فَخْرَ الْمُلْكِ أَبَا غَالِبٍ فِي جَيْشٍ وَسَيَّرَهُ إِلَى بَدْرٍ ، فَسَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى سَابُورَ خَوَاسْتَ فَقَالَ هِلَالٌ لِأَبِي عِيسَى شَاذِي : قَدْ جَاءَتْ عَسَاكِرُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ ، فَمَا الرَّأْيُ ؟ قَالَ : الرَّأْيُ أَنْ تَتَوَقَّفَ عَنْ لِقَائِهِمْ ، وَتَبْذُلَ لِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ الطَّاعَةَ . وَتُرْضِيهِ بِالْمَالِ فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوكَ فَضَيِّقْ عَلَيْهِمْ ، وَانْصَرِفْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْمُطَاوَلَةَ ، وَلَا تَظُنَّ هَذَا الْعَسْكَرَ كَمَنْ لَقِيتَهُ بِبَابِ نَهَاوَنْدَ ، فَإِنَّ أُولَئِكَ ذَلَّلَهُمْ أَبُوكَ عَلَى مَمَرِّ السِّنِينَ . فَقَالَ : غَشَشْتَنِي وَلَمْ تَنْصَحْنِي ، وَأَرَدْتَ بِالْمُطَاوَلَةِ أَنْ يَقْوَى أَبِي وَأَضْعُفَ أَنَا ، وَقَتَلَهُ ، وَسَارَ لِيَكْبِسَ الْعَسْكَرَ لَيْلًا . فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ وَقَعَ الصَّوْتُ ، فَرَكِبَ فَخْرُ الْمُلْكِ فِي الْعَسَاكِرِ ، وَجَعَلَ عِنْدَ أَثْقَالِهِمْ مَنْ يَحْمِيهَا ، وَتَقَدَّمَ إِلَى قِتَالِ هِلَالٍ ، فَلَمَّا رَأَى هِلَالٌ صُعُوبَةَ الْأَمْرِ نَدِمَ ، وَعَلِمَ أَنَّ أَبَا عِيسَى بْنَ شَاذِي نَصَحَهُ ، فَنَدِمَ عَلَى قَتْلِهِ ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى فَخْرِ الْمُلْكِ يَقُولُ لَهُ : إِنَّنِي مَا جِئْتُ لِقِتَالٍ وَحَرْبٍ ، إِنَّمَا جِئْتُ لِأَكُونَ قَرِيبًا مِنْكَ وَأَنْزِلَ عَلَى حُكْمِكَ ، فَتَرُدَّ الْعَسْكَرَ عَنِ الْحَرْبِ ، فَإِنَّنِي أَدْخُلُ فِي الطَّاعَةِ . فَمَالَ فَخْرُ الْمُلْكِ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَأَرْسَلَ الرَّسُولَ إِلَى بَدْرٍ لِيُخْبِرَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ . فَلَمَّا رَأَى بَدْرٌ الرَّسُولَ سَبَّهُ وَطَرَدَهُ ، وَأَرْسَلَ إِلَى فَخْرِ الْمُلْكِ يَقُولُ لَهُ : إِنَّ هَذَا مَكْرٌ مِنْ هِلَالٍ ، لَمَّا رَأَى ضَعْفَهُ ، وَالرَّأْيُ أَنْ لَا تُنَفِّسَ خِنَاقَهُ . فَلَمَّا سَمِعَ فَخْرُ الْمُلْكِ الْجَوَابَ قَوِيَتْ نَفْسُهُ ، وَكَانَ يَتَّهِمُ بَدْرًا بِالْمَيْلِ إِلَى ابْنِهِ وَتَقَدَّمَ إِلَى الْجَيْشِ بِالْحَرْبِ ، فَقَاتَلُوا ، فَلَمْ يَكُنْ أَسْرَعَ مِنْ أَنْ أُتِيَ بِهِلَالٍ أَسِيرًا ، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ ، وَطَلَبَ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ إِلَى أَبِيهِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ ، وَطَلَبَ عَلَامَتَهُ بِتَسْلِيمِ الْقَلْعَةِ ، فَأَعْطَاهُمُ الْعَلَامَةَ ، فَامْتَنَعَتْ أُمُّهُ وَمَنْ بِالْقَلْعَةِ مِنَ التَّسْلِيمِ ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ ، فَأَمَّنَهُمْ فَخْرُ الْمُلْكِ ، وَصَعِدَ الْقَلْعَةَ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ ، ثُمَّ نَزَلَ مِنْهَا وَسَلَّمَهَا إِلَى بَدْرٍ ، وَأَخَذَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا ، وَكَانَتْ عَظِيمَةً ، قِيلَ : كَانَ بِهَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ بَدْرَةٍ دَرَاهِمَ ، وَأَرْبَعُمِائَةِ بَدْرَةٍ ذَهَبًا ، سِوَى الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ ، وَالثِّيَابِ ، وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ ذِكْرَ هَذَا ، فَمِمَّنْ قَالَ مِهْيَارُ : فَظَنُّوكَ تَعِبًا بِحَمْلِ الْعِرَاقِ ، كَأَنْ لَمْ يَرَوْكَ حَمَلْتَ الْجِبَالَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي الْعُلُوِّ السَّمَاءُ لَمَا كَانَ غُنْمُكَ مِنْهَا هِلَالَا سَرَيْتَ إِلَيْهِ ، فَكُنْتَ السِّرَارَ لَهُ ، وَلِبَدْرٍ أَبِيهِ كَمَالَا وَهِيَ كَثِيرَةٌ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية