الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ وِلَايَةِ الْمُقَلِّدِ الْمَوْصِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْمُقَلِّدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ . وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَخَاهُ أَبَا الذَّوَّادِ تُوُفِّيَ هَذِهِ السُّنَّةَ ، فَطَمِعَ الْمُقَلِّدُ فِي الْإِمَارَةِ ، فَلَمْ تُسَاعِدْهُ عُقَيْلٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَلَّدُوا أَخَاهُ عَلِيًّا لِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْهُ ، فَأَسْرَعَ الْمُقَلِّدُ وَاسْتَمَالَ الدَّيْلَمَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ الْحَجَّاجِ بِالْمَوْصِلِ ، فَمَالَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ ، وَكَتَبَ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ يَضْمَنُ مِنْهُ الْبَلَدَ بِأَلْفَيْ أَلْفَ دِرْهَمٍ كُلَّ سَنَةٍ . ثُمَّ حَضَرَ عِنْدَ أَخِيهِ عَلِيٍّ ، وَأَظْهَرَ لَهُ أَنَّ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ قَدْ وَلَّاهُ الْمَوْصِلَ ، وَسَأَلَهُ مُسَاعَدَتَهُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ لِأَنَّهُ قَدْ مَنَعَهُ عَنْهَا ، فَسَارُوا وَنَزَلُوا عَلَى الْمَوْصِلِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ كُلُّ مَنِ اسْتَمَالَهُ الْمُقَلِّدُ مِنَ الدَّيْلَمِ ، وَضَعُفَ الْحَجَّاجُ ، وَطَلَبَ مِنْهُمُ الْأَمَانَ ، فَأَمَّنُوهُ ، وَوَاعَدَهُمْ يَوْمًا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فِيهِ . ثُمَّ إِنَّهُ انْحَدَرَ فِي السُّفُنِ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَلَمْ يَشْعُرُوا بِهِ إِلَّا بَعْدَ انْحِدَارِهِ ، فَتَبِعُوهُ ، فَلَمْ يَنَالُوا مِنْهُ شَيْئًا ، وَنَجَا بِمَالِهِ مِنْهُمْ ، وَسَارَ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ ، وَدَخَلَ الْمُقَلِّدُ الْبَلَدَ ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ عَلَى أَنْ يُخْطَبَ لَهُمَا ، وَيُقَدَّمَ عَلِيٌّ لِكِبَرِهِ ، وَيَكُونَ لَهُ مَعَهُ نَائِبٌ يَجْبِي الْمَالَ ، وَاشْتَرَكَا فِي الْبَلَدِ وَالْوِلَايَةِ ، وَسَارَ عَلِيٌّ ( إِلَى الْبَرِّ ) ، وَأَقَامَ الْمُقَلِّدُ ، وَجَرَى الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ مُدَيْدَةً ، ثُمَّ تَشَاجَرُوا وَاخْتَصَمُوا وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَكَانَ الْمُقَلِّدُ يَتَوَلَّى حِمَايَةَ غَرْبِيَّ الْفُرَاتِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ ، وَكَانَ لَهُ بِبَغْدَاذَ نَائِبٌ فِيهِ تَهَوُّرٌ ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ ( مُشَاجَرَةٌ ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُقَلِّدِ يَشْكُو ، فَانْحَدَرَ مِنَ الْمَوْصِلِ فِي عَسَاكِرِهِ وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ ) حَرْبٌ انْهَزَمُوا فِيهَا ، وَكَتَبَ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ يَعْتَذِرُ ، وَطَلَبَ إِنْفَاذَ مَنْ يَعْقِدُ عَلَيْهِ ضَمَانَ الْقَصْرِ وَغَيْرِهِ . وَكَانَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ مَشْغُولًا بِمَنْ يُقَاتِلُهُ مَنْ عَسْكَرِ أَخِيهِ فَاضْطَرَّ إِلَى الْمُغَالَطَةِ ، وَمَدَّ الْمُقَلِّدُ يَدَهُ فَأَخَذَ الْأَمْوَالَ ، فَبَرَزَ نَائِبُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَاذَ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ أَبُو عَلِيِّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَخَرَجَ إِلَى حَرْبِ الْمُقَلِّدِ ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَيْهِ ، فَأَنْفَذَ أَصْحَابَهُ لَيْلًا ، فَاقْتَتَلُوا ، وَعَادُوا إِلَى الْمُقَلِّدِ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بِمَجِئِ أَصْحَابِ الْمُقَلِّدِ إِلَى بَغْدَاذَ ، أَنْفَذَ أَبَا جَعْفَرٍ الْحَجَّاجَ إِلَى بَغْدَاذَ ، ( أَمَرَهُ بِمُصَالَحَةِ الْمُقَلِّدِ وَالْقَبْضِ عَلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ ) ، فِي آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا رَاسَلَهُ الْمُقَلِّدُ فِي الصُّلْحِ ، فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَحْمِلَ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ ، وَلَا يَأْخُذُ مِنَ الْبِلَادِ إِلَّا رَسْمَ الْحِمَايَةِ ، وَيَخْطُبُ لِأَبِي جَعْفَرٍ بَعْدَ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ ، وَأَنْ يَخْلَعَ عَلَى الْمُقَلِّدِ الْخِلَعَ السُّلْطَانِيَّةَ ، وَيُلَقَّبَ بِحُسَامِ الدَّوْلَةِ ، وَيُقْطَعَ الْمَوْصِلَ ، وَالْكُوفَةَ ، وَالْقَصْرَ وَالْجَامِعَيْنِ ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ، وَجَلَسَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ لَهُ . وَلَمْ يَفِ الْمُقَلِّدُ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ إِلَّا بِحَمْلِ الْمَالِ ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ ، وَمَدَّ يَدَهُ فِي الْمَالِ ، وَقَصَدَهُ الْمُتَصَرِّفُونَ وَالْأَمَاثِلُ ، وَعَظُمَ قَدْرُهُ ، وَقَبَضَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ ، ثُمَّ هَرَبَ أَبُو عَلِيٍّ ، نَائِبُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ ، وَاسْتَتَرَ وَسَارَ إِلَى الْبَطِيحَةِ مُسْتَتِرًا ، مُلْتَجِئًا إِلَى مُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية