الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ وَفَاةِ الْحَاكِمِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ هِشَامٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْحَاكِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ الْأُمَوِيُّ ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ ، وَعُمْرُهُ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ ، وَكَانَ أَصْهَبَ أَعْيَنَ ، أَقْنَى ، عَظِيمَ الصَّوْتِ ، ضَخْمَ الْجِسْمِ ، أَفْقَمَ ، وَكَانَ مُحِبًّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ ، عَالِمًا فَقِيهًا فِي الْمَذَاهِبِ ، عَالِمًا بِالْأَنْسَابِ وَالتَّوَارِيخِ ، جَمَّاعًا لِلْكُتُبِ وَالْعُلَمَاءِ ، مُكْرِمًا لَهُمْ ، مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ ، أَحْضَرَهُمْ مِنَ الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ لِيَسْتَفِيدَ مِنْهُمْ وَيُحْسِنَ إِلَيْهِمْ . وَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ هِشَامٌ بِعَهْدِ أَبِيهِ ، وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ ، وَلُقِّبَ الْمُؤَيَّدَ بِاللَّهِ ، وَاخْتَلَفَتِ الْبِلَادُ فِي أَيَّامِهِ ، وَأُخِذَ وَحُبِسَ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِمَارَةِ . وَسَبَبُهُ أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ الْمُؤَيَّدُ تَحَجَّبَ لَهُ الْمَنْصُورُ أَبُو عَامِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْمَعَافِرِيُّ ، وَابْنَاهُ الْمُظَفَّرُ وَالنَّاصِرُ ، فَلَمَّا حَجَبَ لَهُ أَبُو عَامِرٍ حَجَبَهُ عَنِ النَّاسِ ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَرَاهُ وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ ، وَقَامَ بِأَمْرِ دَوْلَتِهِ الْقِيَامَ الْمَرْضِيَّ ، وَعَدَلَ فِي الرَّعِيَّةِ ، وَأَقْبَلَتِ الدُّنْيَا إِلَيْهِ ، وَاشْتَغَلَ بِالْغَزْوِ ، وَفَتَحَ مِنْ بِلَادِ الْأَعْدَاءِ كَثِيرًا ، وَامْتَلَأَتْ بِلَادُ الْأَنْدَلُسِ بِالْغَنَائِمِ وَالرَّقِيقِ ، وَجَعَلَ أَكْثَرَ جُنْدِهِ مِنْهُمْ كَوَاضِحٍ الْفَتَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَشْهُورِينَ ، وَكَانُوا يُعْرَفُونَ بِالْعَامِرِيِّينَ . ( وَأَدَامَ اللَّهُ ) لَهُ الْحَالَ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، غَزَا فِيهَا اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ غَزَاةً مَا بَيْنَ صَائِفَةٍ وَشَاتِيَةٍ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَكَانَ حَازِمًا ، قَوِيَّ الْعَزْمِ ، كَثِيرَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ، حَسَنَ السِّيَاسَةِ . فَمِنْ مَحَاسِنِ أَعْمَالِهِ : أَنَّهُ دَخَلَ بِلَادَ الْفِرِنْجِ غَازِيًا ، فَجَازَ الدَّرْبَ إِلَيْهَا ، وَهُوَ مَضِيقٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِ الْفِرِنْجِ يَسْبِي ، وَيُخَرِّبُ ، وَيَغْنَمُ ، فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ رَآهُمْ قَدْ سَدُّوا الدَّرْبَ وَهُمْ عَلَيْهِ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمُقَامَ فِي بِلَادِهِمْ ، وَشَرَعَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ فِي عِمَارَةِ الْمَسَاكِنِ وَزَرْعِ الْغَلَّاتِ ، وَأَحْضَرُوا الْحَطَبَ ، وَالتِّبْنَ ، وَالْمِيرَةَ ، وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَوْا عَزْمَهُ عَلَى الْمُقَامِ مَالُوا إِلَى السِّلْمِ ، فَرَاسَلُوهُ فِي تَرْكِ الْغَنَائِمِ وَالْجَوَازِ إِلَى بِلَادِهِ ، فَقَالَ : أَنَا عَازِمٌ عَلَى الْمُقَامِ ، فَتَرَكُوا لَهُ الْغَنَائِمَ ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى الصُّلْحِ ، فَبَذَلُوا لَهُ مَالًا ، وَدَوَابَّ تَحْمِلُ لَهُ مَا غَنِمَهُ مِنْ بِلَادِهِمْ ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى الصُّلْحِ ، وَفَتَحُوا الدَّرْبَ ، فَجَازَ إِلَى بِلَادِهِ . وَكَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ ، وَوَرَدَ شَابًّا إِلَى قُرْطُبَةَ ، طَالِبًا لِلْعِلْمِ وَالْأَدَبِ وَسَمَاعِ الْحَدِيثِ ، فَبَرَعَ فِيهَا وَتَمَيَّزَ ، ثُمَّ تَعَلَّقَ بِخِدْمَةِ صُبْحَ وَالِدَةِ الْمُؤَيَّدِ ، وَعَظُمَ مَحَلُّهُ عِنْدَهَا ، فَلَمَّا مَاتَ الْحَاكِمُ الْمُسْتَنْصِرُ كَانَ الْمُؤَيَّدُ صَغِيرًا ، فَخِيفَ عَلَى الْمُلْكِ أَنْ يَخْتَلَّ ، فَضَمِنَ لِصُبْحَ سُكُونَ الْبِلَادِ ، وَزَوَالَ الْخَوْفِ ، وَكَانَ قَوِيَّ النَّفْسِ ، وَسَاعَدَتْهُ الْمَقَادِيرُ ، وَأَمَدَّتْهُ الْأُمَرَاءُ بِالْأَمْوَالِ ، فَاسْتَمَالَ الْعَسَاكِرَ ، وَجَرَتِ الْأُمُورُ عَلَى أَحْسَنِ نِظَامٍ . وَكَانَتْ أُمُّهُ تَمِيمِيَّةً ، وَأَبُوهُ مَعَافِرِيًّا ، بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الْمُلَقَّبُ بِالْمُظَفَّرِ ، فَسَارَ كَسَيْرَةِ أَبِيهِ ، وَتُوَفِّيَ سُنَّةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَبْعَ سِنِينَ . وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ سَمَّهُ فِي تُفَّاحَةٍ قَطَعَهَا بِسِكِّينٍ كَانَ قَدْ سَمَّ أَحَدَ جَانِبَيْهَا ، فَنَاوَلَ أَخَاهُ مَا يَلِي الْجَانِبَ الْمَسْمُومَ ، وَأَخَذَ هُوَ مَا يَلِي الْجَانِبَ الصَّحِيحَ ، فَأَكَلَهُ بِحَضْرَتِهِ ، فَاطْمَأَنَّ الْمُظَفَّرُ ، وَأَكَلَ مَا بِيَدِهِ مِنْهَا فَمَاتَ . فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلِي بَعْدَهُ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُلَقَّبُ بِالنَّاصِرِ ، فَسَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ أَبِيهِ وَأَخِيهِ ، وَأَخَذَ فِي الْمُجُونِ ، وَشُرْبِ الْخُمُورِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، ثُمَّ دَسَّ إِلَى الْمُؤَيَّدِ مَنْ خَوَّفَهُ مِنْهُ إِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ، فَحَقَدَ النَّاسُ وَبَنُو أُمَيَّةَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَأَبْغَضُوهُ ، وَتَحَرَّكُوا فِي أَمْرِهِ إِلَى أَنْ قُتِلَ . وَغَزَا شَاتِيَةً ، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِ الْجَلَالِقَةِ ، فَلَمْ يُقْدِمْ مَلِكُهَا عَلَى لِقَائِهِ ، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى اتِّبَاعِهِ لِزِيَادَةِ الْأَنْهَارِ ، وَكَثْرَةِ الثُّلُوجِ ، فَأَثْخَنَ فِي الْبِلَادِ الَّتِي وَطِئَهَا ، وَخَرَجَ مَوْفُورًا ، فَبَلَغَهُ فِي طَرِيقِهِ ظُهُورُ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ بِقُرْطُبَةَ ، وَاسْتِيلَاؤُهُ عَلَيْهَا وَأَخْذُهُ الْمُؤَيَّدَ أَسِيرًا ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ عَسْكَرُهُ ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا خَاصَّتُهُ ، فَسَارَ إِلَى قُرْطُبَةَ لِيَتَلَافَى ذَلِكَ الْخَطْبَ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرُ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ فَقَتَلُوهُ وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى قُرْطُبَةَ فَطَافُوا بِهِ ، وَكَانَ قَتْلُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، ثُمَّ صَلَبُوهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية