الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
340 ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ وَفَاةِ مَنْصُورِ بْنِ قَرَاتَكِينَ وَأَبِي الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحْتَاجٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ مَنْصُورُ بْنُ قَرَاتَكِينَ صَاحِبُ الْجُيُوشِ الْخُرَاسَانِيَّةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ أَصْبَهَانَ إِلَى الرَّيِّ ، فَذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ أَدْمَنَ الشُّرْبَ عِدَّةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا ، فَمَاتَ فَجْأَةً ، وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ : إِنَّهُ مَرِضَ وَمَاتَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَمَّا مَاتَ ، رَجَعَتِ الْعَسَاكِرُ الْخَرَاسَانِيَّةُ إِلَى نَيْسَابُورَ ، وَحُمِلَ تَابُوتُ مَنْصُورٍ ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ وَالِدِهِ بِأَسْبِيجَابَ . وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُحْكَى أَنَّ مَنْصُورًا لَمَّا سَارَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى الرَّيِّ ، سَيَّرَ غُلَامًا لَهُ إِلَى أَسْبِيجَابَ لِيُقِيمَ فِي رِبَاطِ وَالِدِهِ قَرَاتَكِينَ الَّذِي فِيهِ قَبْرُهُ ، فَلَمَّا وَدَّعَهُ ، قَالَ : كَأَنَّكَ بِي قَدْ حُمِلْتُ فِي تَابُوتٍ إِلَى تِلْكَ الْبَرِّيَّةِ ، فَكَانَ كَمَا قَالَ بَعْدَ قَلِيلٍ : مَاتَ وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى ذَلِكَ الرِّبَاطِ ، وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ وَالِدِهِ . وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُحْتَاجٍ بِبُخَارَى ، كَانَ قَدْ رَكِبَ دَابَّةً أَنْفَذَهَا إِلَيْهِ أَبُوهُ ، فَأَلْقَتْهُ وَسَقَطَتْ عَلَيْهِ فَهَشَّمَتْهُ ، وَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، وَعَظُمَ مَوْتُهُ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً ، وَشَقَّ مَوْتُهُ عَلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ ، وَحُمِلَ إِلَى الصَّغَانِيَانِ إِلَى وَالِدِهِ أَبِي عَلِيٍّ ، وَكَانَ مُقِيمًا بِهَا . ذِكْرُ عَوْدِ أَبِي عَلِيٍّ إِلَى خُرَاسَانَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أُعِيدَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُحْتَاجٍ إِلَى قِيَادَةِ الْجُيُوشِ بِخُرَاسَانَ ، ‌‌‌وَأُمِرِ بِالْعَوْدِ إِلَى نَيْسَابُورَ . وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْصُورَ بْنَ قَرَاتَكِينَ كَانَ قَدْ تَأَذَّى بِالْجُنْدِ ، وَاسْتَصْعَبَ إِيَالَتَهُمْ ، وَكَانُوا قَدِ اسْتَبَدُّوا بِالْأُمُورِ دُونَهُ ، وَعَاثُوا فِي نَوَاحِي نَيْسَابُورَ ، فَتَوَاتَرَتْ كُتُبُهُ إِلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ بِالِاسْتِعْفَاءِ مِنْ وَلَايَتِهِمْ ، وَيَطْلُبُ أَنْ يُقْتَصَرَ بِهِ عَلَى هَرَاةَ ، وَيُوَلِّيَ مَا بِيَدِهِ مَنْ أَرَادَ نُوحٌ ، فَكَانَ نُوحٌ يُرْسِلُ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ يَعِدُهُ بِإِعَادَتِهِ إِلَى مَرْتَبَتِهِ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَنْصُورٌ ، أَرْسَلَ الْأَمِيرُ نُوحٌ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ الْخِلَعَ وَاللِّوَاءَ ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى نَيْسَابُورَ ، وَأَقْطَعَهُ الرَّيَّ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا ، فَسَارَ عَنِ الصَّغَانِيَانِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَاسْتَخْلَفَ مَكَانَهُ ابْنَهُ أَبَا مَنْصُورٍ ، وَوَصَلَ إِلَى مَرْوَ وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ أَصْبَحَ أَمْرُ خُوَارِزْمَ ، وَكَانَتْ شَاغِرَةً ، وَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ ، فَوَرَدَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ فَأَقَامَ بِهَا . ذِكْرُ الْحَرْبِ بِصِقِلِّيَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ كَانَ الْمَنْصُورُ الْعَلَوِيُّ صَاحِبَ إِفْرِيقِيَّةَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى صِقِلِّيَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْكَلْبِيَّ ، فَدَخَلَهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَغَزَا الرُّومَ الَّذِينَ بِهَا عِدَّةَ غَزَوَاتٍ ، فَاسْتَمَدُّوا مَلِكَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا كَثِيرًا ، فَنَزَلُوا أَذْرَنْتَ ، فَأَرْسَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى الْمَنْصُورِ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا مَعَ خَادِمِهِ فَرَحٍ ، فَجَمَعَ الْحَسَنَ جُنْدَهُ مَعَ الْوَاصِلِينَ ، وَسَارَ إِلَى رِيُّو ، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي أَرْضِ قِلَّوْرِيَةَ ، وَحَاصَرَ الْحَسَنُ جَرَاجَةَ أَشَدَّ حِصَارٍ ، فَأَشْرَفَ أَهْلُهَا عَلَى الْهَلَاكِ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَخْذُهَا ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ عَسْكَرَ الرُّومِ وَاصِلٌ إِلَيْهِ ، فَهَادَنَ أَهْلَ جَرَاجَةَ عَلَى مَالٍ يُؤَدُّونَهُ ، وَسَارَ إِلَى الرُّومِ ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِقُرْبِهِ مِنْهُمُ ، انْهَزَمُوا بِغَيْرِ قِتَالٍ وَتَرَكُوا أَذْرَنْتَ . وَنَزَلَ الْحَسَنُ عَلَى قَلْعَةِ قِسَانَةَ ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ تَنْهَبُ ، فَصَالَحَهُ أَهْلُ قِسَانَةَ عَلَى مَالٍ ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ ، وَكَانَ الْمَصَافُّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَسْكَرِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الرُّومِ الَّذِينَ بِصِقِلِّيَةَ لَيْلَةَ الْأَضْحَى ، وَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ ، وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ إِلَى اللَّيْلِ ، وَغَنِمُوا جَمِيعَ أَثْقَالِهِمْ ، وَسِلَاحِهِمْ ، وَدَوَابِّهِمْ ، وَسَيَّرَ الرُّءُوسَ إِلَى مَدَائِنِ صِقِلِّيَةَ ، وَإِفْرِيقِيَّةَ ، وَحَصَرَ الْحَسَنُ جَرَاجَةَ ، فَصَالَحُوهُ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُونَهُ ، وَرَجَعَ عَنْهُمْ ، وَسَيَّرَ سَرِيَّةً إِلَى الْمَدِينَةِ بِطَرْقُوقَةَ فَفَتَحُوهَا ، وَغَنِمُوا مَا فِيهَا . وَلَمْ يَزَلِ الْحَسَنُ بِجَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ [ وَثَلَاثِمِائَةٍ ] ، فَمَاتَ الْمَنْصُورُ ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ ، وَاتَّصَلَ بِالْمُعِزِّ بْنِ الْمَنْصُورِ ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى صِقِلِّيَةَ ابْنَهُ أَبَا الْحَسَنِ أَحْمَدَ . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ رُفِعَ إِلَى الْمُهَلَّبِيِّ أَنَّ رَجُلًا يُعْرَفُ بِالْبَصْرِيِّ مَاتَ بِبَغْدَاذَ ، وَهُوَ مُقَدَّمُ الْقَرَاقِرِيَّةِ يَدَّعِي أَنَّ رُوحَ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْقَرَاقِرِ قَدْ حَلَّتْ فِيهِ ، وَأَنَّهُ خَلَّفَ مَالًا كَثِيرًا كَانَ يَجْبِيهِ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ ، وَأَنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَعْتَقِدُونَ رُبُوبِيَّتَهُ ، وَأَنَّ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ حَلَّتْ فِيهِمْ ، فَأَمَرَ بِالْخَتْمِ عَلَى التَّرِكَةِ ، وَالْقَبْضِ عَلَى أَصْحَابِهِ ، وَالَّذِي قَامَ بِأَمْرِهِمْ بَعْدَهُ ، فَلَمْ يَجِدْ إِلَّا مَالًا يَسِيرًا ، وَرَأَى دَفَاتِرَ فِيهَا أَشْيَاءُ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ . وَكَانَ فِيهِمْ غُلَامٌ شَابٌّ يَدَّعِي أَنَّ رُوحَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَلَّتْ فِيهِ ، وَامْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ تَدَّعِي أَنَّ رُوحَ فَاطِمَةَ حَلَّتْ فِيهَا ، وَخَادِمٌ لِبَنِي بِسِطَامَ يَدَّعِي أَنَّهُ مِيكَائِيلُ ، فَأَمَرَ بِهِمُ الْمُهَلَّبِيُّ فَضُرِبُوا وَنَالَهُمْ مَكْرُوهٌ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ تَوَصَّلُوا بِمَنْ أَلْقَى إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ أَنَّهُمْ مِنْ شِيعَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَأَمَرَ بِإِطْلَاقِهِمْ ، وَخَافَ الْمُهَلَّبِيُّ أَنْ يُقِيمَ عَلَى تَشَدُّدِهِ فِي أَمْرِهِمْ فَيُنْسَبُ إِلَى تَرْكِ التَّشَيُّعِ ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ . [ الْوَفَيَاتُ ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ لَالٍ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ الْمَشْهُورُ فِي شَعْبَانَ ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَكَانَ عَابِدًا مُعْتَزِلِيًّا . وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو جَعْفَرٍ الْفَقِيهُ بِبُخَارَى .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية