الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ وَلَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ صِقِلِّيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَلْبِيَّ عَلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ ، وَكَانَ لَهُ مَحَلٌّ كَبِيرٌ عِنْدَ الْمَنْصُورِ ، وَلَهُ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي قِتَالِ أَبِي يَزِيدَ . وَكَانَ سَبَبُ وَلَايَتِهِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَدِ اسْتَضْعَفَهُمُ الْكُفَّارُ بِهَا أَيَّامَ عَطَّافٍ لِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ ، وَامْتَنَعُوا مِنْ إِعْطَاءِ مَالِ الْهُدْنَةِ ، وَكَانُوا بِصِقِلِّيَةَ بَنُو الطَّبَرِيِّ مِنْ أَعْيَانِ الْجَمَاعَةِ ، وَلَهُمْ أَتْبَاعٌ كَثِيرُونَ ، فَوَثَبُوا بِعَطَّافٍ أَيْضًا ، وَأَعَانَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ [ وَثَلَاثِمِائَةٍ ] ، وَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ رِجَالِهِ ، وَأَفْلَتَ عَطَّافٌ هَارِبًا بِنَفْسِهِ إِلَى الْحِصْنِ ، فَأَخَذُوا أَعْلَامَهُ وَطُبُولَهُ وَانْصَرَفُوا إِلَى دِيَارِهِمْ ، فَأَرْسَلَ أَبُو عَطَّافٍ إِلَى الْمَنْصُورِ يُعْلِمُهُ الْحَالَ وَيَطْلُبُ الْمَدَدَ . فَلَمَّا عَلِمَ الْمَنْصُورُ ذَلِكَ ، اسْتَعْمَلَ عَلَى الْوَلَايَةِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ ، فَسَارَ فِي الْمَرَاكِبِ ، فَأَرْسَى بِمَدِينَةِ مَازَرَ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ أَحَدٌ ، فَبَقِيَ يَوْمَهُ ، فَأَتَاهُ فِي اللَّيْلِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ ، وَكُتَامَةَ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ خَافُوا الْحُضُورَ عِنْدَهُ مِنِ ابْنِ الطَّبَرِيِّ وَمَنِ اتَّفَقَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادَ ، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ الطَّبَرِيِّ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدُونَ ، وَغَيْرَهُمَا قَدْ سَارُوا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ ، وَأَوْصَوْا بَنِيهِمْ لِيَمْنَعُوهُ مِنْ دُخُولِ الْبَلَدِ ، وَمُفَارَقَةِ مَرَاكِبِهِ إِلَى أَنْ تَصِلَ كُتُبُهُمْ بِمَا يَلْقَوْنَ مِنَ الْمَنْصُورِ ، وَقَدْ مَضَوْا يَطْلُبُونَ أَنْ يُوَلِّيَ الْمَنْصُورُ غَيْرَهُ . ثُمَّ أَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الطَّبَرِيِّ وَمَنْ مَعَهُ لِيُشَاهِدُوا مَنْ مَعَهُ ، فَرَأَوْهُ فِي قِلَّةٍ ، فَطَمِعُوا فِيهِ ، وَخَادَعُوهُ وَخَادَعَهُمْ ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَقَدْ وَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُقِيمُ بِمَكَانِهِ إِلَى أَنْ يَعُودُوا إِلَيْهِ ، فَلَمَّا فَارَقُوهُ جَدَّ السَّيْرَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَجْمَعُوا أَصْحَابَهُمْ وَيَمْنَعُوهُ ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَيْضَاءِ ، أَتَاهُ حَاكِمُ الْبَلَدِ وَأَصْحَابُ الدَّوَاوِينِ ، وَكُلُّ مَنْ يُرِيدُ الْعَافِيَةَ ، فَلَقِيَهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ أَحْوَالِهِمْ ، فَلَمَّا سَمِعَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الطَّبَرِيِّ بِخُرُوجِ هَذَا الْجَمْعِ إِلَيْهِ ، اضْطُرَّ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ ، فَلَقِيَهُ الْحَسَنُ وَأَكْرَمَهُ وَعَادَ إِلَى دَارِهِ ، وَدَخَلَ الْحَسَنُ الْبَلَدَ ، وَمَالَ إِلَيْهِ كُلُّ مُنْحَرِفٍ عَنْ بَنِي الطَّبَرِيِّ وَمَنْ مَعَهُمْ . فَلَمَّا رَأَى ابْنُ الطَّبَرِيِّ ذَلِكَ ، أَمَرَ رَجُلًا صِقِلِّيًّا ، فَدَعَا بَعْضَ عَبِيدِ الْحَسَنِ وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالشَّجَاعَةِ ، فَلَمَّا دَخَلَ بَيْتَهُ ، خَرَجَ الرَّجُلُ يَسْتَغِيثُ وَيَصِيحُ وَيَقُولُ : إِنَّ هَذَا دَخَلَ بَيْتِي ، وَأَخَذَ امْرَأَتِي بِحَضْرَتِي غَصْبًا ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْبَلَدِ لِذَلِكَ ، وَحَرَّكَهُمُ ابْنُ الطَّبَرِيِّ وَخَوَّفَهُمْ وَقَالَ : هَذَا فِعْلُهُمْ ، وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْبَلَدِ ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْحُضُورِ عِنْدَ الْحَسَنِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ مَمْلُوكَهُ ، فَيَثُورُ النَّاسُ بِهِ ، فَيُخْرِجُونَهُ مِنَ الْبَلَدِ . فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ ، وَذَلِكَ الرَّجُلُ يَصِيحُ وَيَسْتَغِيثُ ، أَحْضَرَهُ الْحَسَنُ عِنْدَهُ ، وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ ، فَحَلَّفَهُ بِاللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى مَا يَقُولُ ، فَحَلَفَ ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْغُلَامِ فَقُتِلَ ، فَسُّرَّ أَهْلُ الْبَلَدِ وَقَالُوا : الْآنَ طَابَتْ نُفُوسُنَا ، وَعَلِمْنَا أَنَّ بَلَدَنَا يَتَعَمَّرُ ، وَيَظْهَرُ فِيهِ الْعَدْلُ ، فَانْعَكَسَ الْأَمْرُ عَلَى ابْنِ الطَّبَرِيِّ ، وَأَقَامَ الْحَسَنُ وَهُوَ خَائِفٌ مِنْهُمْ . ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَرْسَلَ إِلَى الْحَسَنِ يُعَرِّفُهُ أَنَّهُ قَبَضَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الطَّبَرِيِّ ، وَعَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُونَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جُنَّا ، وَمَنْ مَعَهُمْ ، وَيَأْمُرُهُ بِالْقَبْضِ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ الطَّبَرِيِّ ، وَرَجَاءِ بْنِ جُنَّا وَمُحَمَّدٍ . . وَمُخْلِفِي الْجَمَاعَةِ الْمَقْبُوضِينَ ، فَاسْتَعْظَمَ الْأَمْرَ ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الطَّبَرِيِّ يَقُولُ لَهُ : كُنْتَ قَدْ وَعَدْتَنِي أَنْ نَتَفَرَّجَ فِي الْبُسْتَانِ الَّذِي لَكَ ، فَتَحْضُرَ لِنَمْضِيَ إِلَيْهِ ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْجَمَاعَةِ عَلَى لِسَانِ ابْنِ الطَّبَرِيِّ يَقُولُ : تَحْضُرُونَ لِنَمْضِيَ مَعَ الْأَمِيرِ إِلَى الْبُسْتَانِ ، فَحَضَرُوا عِنْدَهُ ، وَجَعَلَ يُحَادِثُهُمْ وَيَطُولُ إِلَى أَنْ أَمْسَوْا ، فَقَالَ : قَدْ فَاتَ اللَّيْلُ ، وَتَكُونُونَ أَضْيَافَنَا ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ يَقُولُ : إِنَّهُمُ اللَّيْلَةَ فِي ضِيَافَةِ الْأَمِيرِ ، فَتَعُودُونَ إِلَى بُيُوتِهِمْ إِلَى الْغَدِ ، فَمَضَى أَصْحَابُهُمْ ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ ، وَأَخَذَ جَمِيعَ أَمْوَالِهِمْ ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ ، وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ ، فَلَمَّا رَأَى الرُّومُ ذَلِكَ ، أَحْضَرَ الرَّاهِبُ مَالَ الْهُدْنَةِ لِثَلَاثِ سِنِينَ . ثُمَّ إِنَّ مَلِكَ الرُّومِ أَرْسَلَ بِطْرِيقًا فِي الْبَحْرِ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ إِلَى صِقِلِّيَةَ ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَالسَّرْدَغُوسُ ، فَأَرْسَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى الْمَنْصُورِ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أُسْطُولًا فِيهِ سَبْعَةُ آلَافِ فَارِسٍ ، وَثَلَاثَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةِ رَاجِلٍ سِوَى الْبَحْرِيَّةِ ، وَجَمَعَ الْحَسَنُ إِلَيْهِمْ جَمْعًا كَثِيرًا ، وَسَارَ ( فِي الْبَرِّ ) وَالْبَحْرِ ، فَوَصَلَ إِلَى مَسِّينِي ، وَعَدَتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى رِيُّو ، وَبَثَّ الْحَسَنُ السَّرَايَا فِي أَرْضِ قِلَّوْرِيَةَ ، وَنَزَلَ الْحَسَنُ عَلَى جَرَاجَةَ ، وَحَاصَرَهَا أَشَدَّ حِصَارٍ ، وَأَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَاكِ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ ، فَوَصَلَهُمُ الْخَبَرُ أَنَّ الرُّومَ قَدْ زَحَفُوا إِلَيْهِ ، فَصَالَحَ أَهْلَ جَرَاجَةَ عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ مِنْهُمْ ، وَسَارَ إِلَى لِقَاءِ الرُّومِ ، فَفَرُّوا مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ إِلَى مَدِينَةِ بَارَّةَ ، وَنَزَلَ الْحَسَنُ عَلَى قَلْعَةِ قِسَّانَةَ ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ إِلَى قِلَّوْرِيَةَ ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا شَهْرًا ، فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ مِنْهُمْ . وَدَخَلَ الشِّتَاءُ ، فَرَجَعَ الْجَيْشُ إِلَى مَسِّينِي ، وَشَتَّى الْأُسْطُولُ بِهَا ، فَأَرْسَلَ الْمَنْصُورُ يَأْمُرُهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى قِلَّوْرِيَةَ ، فَسَارَ الْحَسَنُ ، وَعَدَا الْمَجَازَ إِلَى جَرَاجَةَ ، فَالْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالسَّرْدَغُوسُ وَمَعَهُ الرُّومُ يَوْمَ عَرَفَةَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ ، وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ أَكْتَافَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ ، وَغَنِمُوا أَثْقَالَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ . ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ [ وَثَلَاثِمِائَةٍ ] فَقَصَدَ الْحَسَنُ جَرَاجَةَ فَحَصَرَهَا ، فَأَرْسَلَ إِلَى قُسْطَنْطِينَ مَلِكِ الرُّومِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْهُدْنَةَ ، فَهَادَنَهُ ، وَعَادَ الْحَسَنُ إِلَى رِيُّو وَبَنَى بِهَا مَسْجِدًا كَبِيرًا فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ ، وَبَنَى فِي أَحَدِ أَرْكَانِهِ مِئْذَنَةً ، وَشَرَطَ عَلَى الرُّومِ أَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عِمَارَتِهِ ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ ، وَالْأَذَانِ ، وَأَنْ لَا يَدْخُلَهُ نَصْرَانِيُّ ، وَمَنْ دَخَلَهُ مِنَ الْأَسَارَى الْمُسْلِمِينَ ، فَهُوَ آمِنٌ سَوَاءً كَانَ مُرْتَدًا أَوْ مُقِيمًا عَلَى دِينِهِ ، وَإِنْ أَخْرَجُوا حَجَرًا مِنْهُ ، هُدِمَتْ كَنَائِسُهُمْ كُلُّهَا بِصِقِلِّيَةَ وَإِفْرِيقِيَّةَ ، فَوَفَى الرُّومُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا ذِلَّةً وَصَغَارًا . وَبَقِيَ الْحَسَنُ بِصِقِلِّيَةَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ وَمَلَكَ الْمُعِزُّ ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية