الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ مَسِيرِ الْمَرْزُبَانِ إِلَيْهِمْ ، وَالظَّفَرِ بِهِمْ لَمَّا فَعَلَ الرُّوسُ بِأَهْلِ بَرْدَعَةَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، اسْتَعْظَمَهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَتَنَادَوْا بِالنَّفِيرِ ، وَجَمَعَ الْمَرْزُبَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاسَ وَاسْتَنْفَرَهُمْ ، فَبَلَغَ عِدَّةُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا ، وَسَارَ بِهِمْ فَلَمْ يُقَاوِمِ الرُّوسِيَّةَ ، وَكَانَ يُغَادِيهُمُ الْقِتَالَ وَيُرَاوِحُهُمْ ، فَلَا يَعُودُ إِلَّا مَفْلُولًا ، فَبَقُوا كَذَلِكَ أَيَّامًا كَثِيرَةً ، وَكَانَ الرُّوسِيَّةُ قَدْ تَوَجَّهُوا نَحْوَ مَرَاغَةَ ، فَأَكْثَرُوا مِنْ أَكْلِ الْفَوَاكِهِ ، فَأَصَابَهُمُ الْوَبَاءُ ، وَكَثُرَتِ الْأَمْرَاضُ وَالْمَوْتُ فِيهِمْ . وَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَلَى الْمَرْزُبَانِ ، أَعْمَلَ الْحِيلَةَ ، فَرَأَى أَنْ يَكْمُنَ كَمِينًا ، ثُمَّ يَلْقَاهُمْ فِي عَسْكَرِهِ ، وَيَتَطَارَدَ لَهُمْ ، فَإِذَا خَرَجَ الْكَمِينُ عَادَ عَلَيْهِمْ ، فَتَقَدَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ ، وَرَتَّبَ الْكَمِينَ ثُمَّ لَقِيَهُمْ ، ( وَاقْتَتَلُوا ، فَتَطَارَدَ لَهُمُ الْمَرْزُبَانُ وَأَصْحَابُهُ ، وَتَبِعَهُمُ الرُّوسِيَّةُ ) حَتَّى جَازَوْا مَوْضِعَ الْكَمِينِ ، فَاسْتَمَرَّ النَّاسُ عَلَى هَزِيمَتِهِمْ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ . فَحَكَى الْمَرْزُبَانُ ، قَالَ : صِحْتُ بِالنَّاسِ لِيَرْجِعُوا ، فَلَمْ يَفْعَلُوا لِمَا تَقَدَّمَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ هَيْبَةِ الرُّوسِيَّةِ ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ إِنِ اسْتَمَرَّ النَّاسُ عَلَى الْهَزِيمَةِ ، قَتَلَ الرُّوسُ أَكْثَرَهُمْ ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْكَمِينِ ( فَفَطِنُوا بِهِمْ ) ، فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ . قَالَ : فَرَجَعْتُ وَحْدِي ، وَتَبِعَنِي أَخِي وَصَاحِبِي ، وَوَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى الشَّهَادَةِ ، فَحِينَئِذٍ عَادَ أَكْثَرُ الدَّيْلَمِ اسْتِحْيَاءً فَرَجَعُوا وَقَاتَلْنَاهُمْ ، وَنَادَيْنَا بِالْكَمِينِ بِالْعَلَامَةِ بَيْنَنَا ، فَخَرَجُوا مِنْ وَرَائِهِمْ ، وَصَدَقْنَاهُمُ الْقِتَالَ ، فَقَتَلْنَا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمْ أَمِيرُهُمْ ، وَالْتَجَأَ الْبَاقُونَ إِلَى حِصْنِ الْبَلَدِ ، وَيُسَمَّى شِهْرِسْتَانَ ، وَكَانُوا قَدْ نَقَلُوا إِلَيْهِ مِيرَةً كَثِيرَةً ، وَجَعَلُوا مَعَهُمُ السَّبْيَ وَالْأَمْوَالَ ، فَحَاصَرَهُمُ الْمَرْزُبَانُ وَصَابَرَهُمْ ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ قَدْ سَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ ، ( وَأَنَّهُ وَاصِلٌ إِلَى سَلْمَاسَ ، وَكَانَ ابْنُ عَمِّهِ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ قَدْ سَيَّرَهُ لِيَسْتَوْلِيَ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ ) ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَرْزُبَانِ ، تَرَكَ عَلَى الرُّوسِيَّةِ مَنْ يُحَاصِرُهُمْ وَسَارَ إِلَى ابْنِ حَمْدَانَ ، فَاقْتَتَلُوا ، ثُمَّ نَزَلَ الثَّلْجُ ، فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ ابْنِ حَمْدَانَ ; لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ أَعْرَابٌ ، ثُمَّ أَتَاهُ كِتَابُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ يُخْبِرُهُ بِمَوْتِ تُوزُونَ ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ الِانْحِدَارَ إِلَى بَغْدَاذَ وَيَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِ ، فَرَجَعَ . وَأَمَّا أَصْحَابُ الْمَرْزُبَانِ فَإِنَّهُمْ أَقَامُوا يُقَاتِلُونَ الرُّوسِيَّةَ ، ( وَزَادَ الْوَبَاءُ عَلَى الرُّوسِيَّةِ ) ( فَكَانُوا إِذَا دَفَنُوا الرَّجُلَ ، دَفَنُوا مَعَهُ سِلَاحَهُ ، فَاسْتَخْرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ) كَثِيرًا بَعْدَ انْصِرَافِ الرُّوسِ . ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْحِصْنِ لَيْلًا وَقَدْ حَمَلُوا عَلَى ظُهُورِهِمْ مَا أَرَادُوا مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا ، وَمَضَوْا إِلَى الْكَرِّ ، وَرَكِبُوا فِي سُفُنِهِمْ وَمَضَوْا ، وَعَجَزَ أَصْحَابُ الْمَرْزُبَانِ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ وَأَخْذِ مَا مَعَهُمْ ، فَتَرَكُوهُمْ وَطَهَّرَ اللَّهُ الْبِلَادَ مِنْهُمْ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية