الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ( 87 ) ) .

قوله عز وجل : ( وقفينا ) : الياء بدل من الواو ; لقولك : قفوته وهو يقفوه إذا [ ص: 76 ] أتبعه فلما وقعت رابعة قلبت ياء . ( بالرسل ) : بالضم وهو الأصل والتسكين جائز تخفيفا ; ومنهم من يسكن إذا أضاف إلى الضمير ; هربا من توالي الحركات ، ويضم في غير ذلك .

( عيسى ) : فعلى من العيس ، وهو بياض يخالطه شقرة ، وقيل هو أعجمي لا اشتقاق له . و مريم : علم أعجمي ولو كان مشتقا من رام يريم لكان مريما بسكون الياء ، وقد جاء في الأعلام بفتح الياء ; نحو : مزيد ، وهو على خلاف القياس . ( وأيدناه ) : وزنه فعلناه ، وهو من الأيد ، وهو من القوة .

ويقرأ : " آيدناه " بمد الألف وتخفيف الياء ووزنه أفعلناه .

فإن قلت : فلم لم تحذف الياء التي هي عين كما حذفت في مثل أسلناه من سال يسيل قيل لو فعلوا ذلك لتوالى إعلالان : أحدهما قلب الهمزة الثانية ألفا ، ثم حذف الألف المبدلة من الياء لسكونها وسكون الألف قبلها ، فكان يصير اللفظ أدناه فكانت تحذف الفاء والعين وليس كذلك أسلناه ; لأن هناك حذفت العين وحدها . ( القدس ) : بضم الدال وسكونها لغتان مثل العسر والعسر .

( أفكلما ) : دخلت الفاء هاهنا لربط ما بعدها بما قبلها والهمزة للاستفهام الذي بمعنى التوبيخ . و " جاءكم " يتعدى بنفسه ، وبحرف الجر ، تقول : جئته وجئت إليه .

( تهوى ) : ألفه منقلبة عن ياء ; لأن عينه واو ، وباب طويت وشويت أكثر من باب حوة وقوة ، ولا دليل في هوي لانكسار العين ، وهو مثل شقي فإن أصله واو ، ويدل على أن هوى من اليائي أيضا قولهم في التثنية هويان . ( استكبرتم ) : جواب كلما . ( ففريقا كذبتم ) : أي فكذبتم فريقا ، فالفاء عطفت كذبتم على استكبرتم ، ولكن قدم المفعول ليتفق رءوس الآي . وفي الكلام حذف ; أي ففريقا منهم كذبتم .

قال تعالى : ( وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ( 88 ) ) .

قوله تعالى : ( غلف ) : يقرأ بضم اللام وهو جمع غلاف .

ويقرأ بسكونها . وفيه وجهان : أحدهما : هو تسكين المضموم ، مثل كتب وكتب .

[ ص: 77 ] والثاني : هو جمع أغلف مثل أحمر وحمر وعلى هذا لا يجوز ضمه و ( بل ) هاهنا إضراب عن دعواهم ، وإثبات أن سبب جحودهم لعن الله إياهم عقوبة لهم .

قوله : ( بكفرهم ) : الباء متعلقة بـ ( لعن ) ، وقال أبو علي النية به التقديم ; أي وقالوا قلوبنا غلف بسبب كفرهم ، بل لعنهم الله معترض .

ويجوز أن يكون في موضع الحال من المفعول في لعنهم ; أي كافرين ، كما قال : ( وقد دخلوا ) بالكفر [ المائدة : 61 ] .

( فقليلا ) : منصوب صفة لمصدر محذوف ، و ( ما ) : زائدة ، أي فإيمانا قليلا يؤمنون . وقيل صفة لظرف ; أي فزمانا قليلا يؤمنون ، ولا يجوز أن تكون ما مصدرية ; لأن قليلا لا يبقى له ناصب . وقيل : ما نافية ; أي فما يؤمنون قليلا ولا كثيرا ومثله ( قليلا ما تشكرون ) و ( قليلا ما تذكرون ) وهذا أقوى في المعنى وإنما يضعف شيئا من جهة تقدم معمول ما في حيز ما عليها .

التالي السابق


الخدمات العلمية