الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ) ( 81 ) .

قوله تعالى : ( وكيف أخاف ) : كيف حال ، والعامل فيها أخاف ، وقد ذكر .

و ( ما أشركتم ) : يجوز أن تكون " ما " بمعنى الذي ، أو نكرة موصوفة ، والعائد [ ص: 383 ] محذوف ؛ وأن تكون مصدرية . ( ما لم ) : " ما " بمعنى الذي ؛ ، أو نكرة موصوفة ، وهي في موضع نصب بأشركتم .

و ( عليكم ) : متعلق بـ " ينزل " . ويجوز أن يكون حالا من سلطان ؛ أي : ما لم ينزل به حجة عليكم ، والسلطان مثل الرضوان والكفران . وقد قرئ بضم اللام ، وهي لغة أتبع فيها الضم .

قال تعالى : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) ( 82 ) .

قوله تعالى : ( الذين آمنوا ) : فيه وجهان : أحدهما : هو خبر مبتدأ محذوف ؛ أي : هم الذين . والثاني : هو مبتدأ ، و ( أولئك ) : بدل منه ، أو مبتدأ ثان .

( لهم الأمن ) : مبتدأ وخبر ، والجملة خبر لما قبلها ، ويجوز أن يكون الأمن مرفوعا بالجار ؛ لأنه معتمد على ما قبله .

قال تعالى : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ) ( 83 ) .

قوله تعالى : ( وتلك ) : هو مبتدأ . وفي ( حجتنا ) : وجهان : أحدهما : هو بدل من تلك . وفي ( آتيناها ) : وجهان : أحدهما : هو خبر عن المبتدأ . و ( على قومه ) : متعلق بمحذوف ؛ أي : آتيناها إبراهيم حجة على قومه ، أو دليلا . والثاني : أن تكون حجتنا خبر تلك ، وآتيناها في موضع الحال من الحجة ، والعامل معنى الإشارة . ولا يجوز أن يتعلق على بحجتنا ؛ لأنها مصدر ، وآتيناها خبر ، أو حال ، وكلاهما لا يفصل به بين الموصول والصلة .

( نرفع ) : يجوز أن يكون في موضع الحال من " آتيناها " ، ويجوز أن يكون مستأنفا ، ويقرأ بالنون والياء ، وكذلك في نشاء ، والمعنى ظاهر .

( درجات ) : يقرأ بالإضافة ، وهو مفعول نرفع ، ورفع درجة الإنسان رفع له .

ويقرأ بالتنوين . و ( من ) : على هذا مفعول نرفع ، و " درجات " ظرف ، أو حرف الجر محذوف منها ؛ أي : إلى درجات .

[ ص: 384 ] قال تعالى : ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين ( 84 ) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين ( 85 ) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ) ( 86 ) .

قوله تعالى : ( كلا هدينا ) : كلا منصوب بهدينا ، والتقدير : كلا منهما .

( ونوحا هدينا ) : أي وهدينا نوحا ، والهاء في ( ذريته ) تعود على نوح ، والمذكورون بعده من الأنبياء ذرية نوح ، والتقدير : وهدينا من ذريته هؤلاء .

وقيل : تعود على إبراهيم ، وهذا ضعيف ؛ لأن من جملتهم لوطا ، وليس من ذرية إبراهيم .

( وكذلك نجزي ) : الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف ؛ أي : ونجزي المحسنين جزاء مثل ذلك . وأما ( عيسى ) : فقيل : هو أعجمي لا يعرف له اشتقاق ، وقيل : هو مشتق من العيس وهو البياض ، وقيل : من العيس ، وهو ماء الفحل ، وقيل : هو من عاس يعوس إذا أصلح ؛ فعلى هذا تكون الياء منقلبة عن واو .

وأما " اليسع " فيقرأ بلام ساكنة خفيفة ، وياء مفتوحة ، وفيه وجهان : أحدهما : هو اسم أعجمي علم ، والألف واللام فيه زائدة ، كما زيدت في النسر ، وهو الصنم ؛ لأنه صنم بعينه ، وكذلك قالوا في عمر والعمر ، وكذلك اللات والعزى .

والثاني : أنه عربي ، وهو فعل مضارع سمي به ، ولا ضمير فيه ، فأعرب ثم نكر ، ثم عرف بالألف واللام ؛ وقيل : اللام على هذا زائدة أيضا .

[ ص: 385 ] ويسع : أصله يوسع بكسر السين ، ثم حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ، ثم فتحت السين من أجل حرف الحلق ، ولم ترد الواو ؛ لأن الفتحة عارضة . ومثله يطأ ، ويقع ، ويدع . ( وكلا ) : منصوب بفضلنا .

قال تعالى : ( ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ) ( 87 ) .

قوله تعالى : ( ومن آبائهم ) : هو معطوف على " وكلا " ؛ أي : وفضلنا كلا من آبائهم ، أو وهدينا كلا من آبائهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية