الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ( 68 ) ) .

قوله تعالى : ( فادع لنا ) : اللغة الجيدة ضم العين ، والواو محذوفة علامة للبناء عند البصريين ، وللجزم عند الكوفيين .

[ ص: 65 ] ومن العرب من يكسر العين ، ووجهها أنه قدر العين ساكنة كأنها آخر الفعل ، ثم كسرها لسكونها وسكون الدال قبلها .

( ما لونها ) : ما اسم للاستفهام في موضع رفع بالابتداء ، ولونها الخبر ، والجملة في موضع نصب بـ ( يبين ) ، ولو قرئ لونها بالنصب ، لكان له وجه ; وهو أن تجعل ما زائدة كهي في قوله : ( أيما الأجلين قضيت ) [ القصص : 28 ] ويكون التقدير : يبين لنا لونها .

وأما ( ما هي ) : فابتداء وخبر لا غير ، إذ لا يمكن جعل ما زائدة ; لأن ( ( هي ) ) لا يصلح أن يكون مفعول يبين .

( لا فارض ) : صفة لبقرة ، و " لا " لا تمنع ذلك ; لأنها دخلت لمعنى النفي ، فهو كقولك : مررت برجل لا طويل ولا قصير ، وإن شئت جعلته خبر مبتدأ ; أي لا هي فارض . ( ولا بكر ) : مثله ، وكذلك : ( ( عوان ) ) .

( بين ذلك ) : أي بينهما ، ( ( وذلك ) ) لما صلح للتثنية والجمع جاز دخول ( ( بين ) ) عليه ، واكتفى به . ( ما تؤمرون ) : أي به ، أو تؤمرونه ، وما بمعنى الذي ، ويضعف أن يكون نكرة موصوفة ; لأن المعنى على العموم ، وهو بالذي أشبه .

قال تعالى : ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ( 69 ) ) .

قوله تعالى : ( فاقع لونها ) : إن شئت جعلت ( ( فاقع ) ) صفة ، ولونها مرفوعا به ، وإن شئت كان خبرا مقدما والجملة صفة .

( تسر ) : صفة أيضا ، وقيل ( ( فاقع ) ) صفة للبقرة ، ولونها مبتدأ ، وتسر خبره ، وأنث اللون لوجهين : أحدهما : أن اللون صفرة هاهنا فحمل على المعنى . والثاني : أن اللون مضاف إلى المؤنث فأنث ، كما قال ذهبت بعض أصابعه ، و ( تلتقطه بعض السيارة ) .

قال تعالى : ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون ( 70 ) ) .

[ ص: 66 ] قوله تعالى : ( إن البقر ) : الجمهور على قراءة البقر بغير ألف هو جنس للبقرة ; وقرئ شاذا " إن الباقر " وهو اسم جمع بقرة ومثله الجامل .

( تشابه ) : الجمهور على تخفيف الشين ، وفتح الهاء ; لأن البقرة تذكر ، والفعل ماض ، ويقرأ بضم الهاء مع التخفيف على تأنيث البقر ، إذ كانت كالجمع .

ويقرأ بضم الهاء وتشديد الشين ، وأصله تتشابه ، فأبدلت التاء الثانية شينا ، ثم أدغمت [ يوسف : 10 ] ، ويقرأ كذلك إلا أنه بالياء على التذكير .

( إن شاء الله ) : جواب الشرط إن وما عملت فيه عند سيبويه ، وجاز ذلك لما كان الشرط متوسطا ، وخبر إن هو جواب الشرط في المعنى ، وقد وقع بعده فصار التقدير : إن شاء الله هدايتنا اهتدينا ، والمفعول محذوف ، وهو هدايتنا .

وقال المبرد : الجواب محذوف دلت عليه الجملة ; لأن الشرط معترض ، فالنية به التأخير فيصير كقولك : أنت ظالم إن فعلت .

قال تعالى : ( قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون ( 71 ) ) .

قوله تعالى : ( لا ذلول ) : إذا وقع فعول صفة لم يدخله الهاء للتأنيث ، تقول : امرأة صبور شكور ، وهو بناء للمبالغة . وذلول : رفع صفة للبقرة ، أو خبر ابتداء محذوف ، وتكون الجملة صفة .

( تثير ) : في موضع نصب حالا من الضمير في ذلول ، تقديره : لا تذل في حال إثارتها ، ويجوز أن يكون رفعا إتباعا لذلول .

وقيل : هو مستأنف ; أي هي تثير ، وهذا قول من قال : إن البقرة كانت تثير الأرض ولم تكن تسقي الزرع ، وهو قول بعيد من الصحة لوجهين : أحدهما : أنه عطف عليه : ( ولا تسقي الحرث ) : فنفى المعطوف ; فيجب أن يكون المعطوف عليه كذلك ; لأنه في المعنى واحد . ألا ترى أنك لا تقول : مررت برجل قائم ولا قاعد ، بل تقول : لا قاعد بغير واو ، كذلك يجب أن يكون هنا .

والثاني : أنها لو أثارت الأرض لكانت ذلولا ، وقد نفى ذلك .

ويجوز على قول من أثبت هذا الوجه أن تكون تثير في موضع رفع صفة للبقرة .

[ ص: 67 ] ( ولا تسقي الحرث ) : يجوز أن يكون صفة أيضا ; وأن يكون خبر ابتداء محذوف . وكذلك : ( مسلمة ) ، و " لا شية فيها " والأحسن أن يكون صفة .

والأصل في ( شية وشية ) ; لأنه من وشا يشي ، فلما حذفت الواو في الفعل حذفت في المصدر ، وعوضت التاء من المحذوف ، ووزنها الآن علة .

وفيها خبر لا في موضع رفع . ( قالوا الآن ) : الألف واللام في الآن زائدة ، وهو مبني ; قال الزجاج : بني ; لتضمنه معنى حرف الإشارة ; كأنك قلت هذا الوقت .

وقال أبو علي : بني لتضمنه معنى لام التعريف ; لأن الألف واللام الملفوظ بهما لم تعرفه ولا هو علم ولا مضمر ; ولا شيء من أقسام المعارف ; فيلزم أن يكون تعريفه باللام المقدرة ، واللام هنا زائدة زيادة لازمة ، كما لزمت في الذي ، وفي اسم الله .

وفي الآن أربعة أوجه : أحدها : تحقيق الهمزة ; وهو الأصل .

والثاني : إلقاء حركة الهمزة على اللام وحذفها وحذف ألف اللام في هذين الوجهين ; لسكونها وسكون اللام في الأصل ; لأن حركة اللام هاهنا عارضة .

والثالث : كذلك إلا أنهم حذفوا ألف اللام لما تحركت اللام فظهرت الواو في قالوا . والرابع : إثبات الواو في اللفظ وقطع ألف اللام وهو بعيد .

( بالحق ) : يجوز أن يكون مفعولا به ; والتقدير أجأت الحق ; أو ذكرت الحق ، ويجوز أن يكون حالا من التاء تقديره : جئت ومعك الحق .

التالي السابق


الخدمات العلمية