الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 5 ] قال تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم ( 9 ) ) .

قوله تعالى : ( تجري من تحتهم ) : يجوز أن يكون مستأنفا ، وأن يكون حالا من ضمير المفعول في يهديهم . والمعنى : يهديهم في الجنة إلى مراداتهم في هذه الحال .

( في جنات ) : يجوز أن يتعلق بتجري ، وأن يكون حالا من الأنهار ، وأن يكون متعلقا بيهدي ، وأن يكون حالا من ضمير المفعول في يهدي ، وأن يكون خبرا ثانيا لإن .

قال تعالى : ( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ( 10 ) ) .

قوله تعالى : ( دعواهم ) : مبتدأ . ( سبحانك ) : منصوب على المصدر ، وهو تفسير الدعوى ; لأن المعنى : قولهم سبحانك اللهم . و : ( فيها ) : متعلق بتحية . ( أن الحمد ) : أن مخففة من الثقيلة .

ويقرأ " أن " بتشديد النون ، وهي مصدرية . والتقدير : آخر دعواهم حمد الله .

قال تعالى : ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون ( 11 ) ) .

قوله تعالى : ( الشر ) : هو مفعول يعجل .

و ( استعجالهم ) : تقديره تعجيلا مثل استعجالهم ; فحذف المصدر وصفته المضافة ، وأقام المضاف إليه مقامهما .

وقال بعضهم : هو منصوب على تقدير حذف حرف الجر ; أي كاستعجالهم ; وهو بعيد ; إذ لو جاز ذلك ، لجاز زيد غلام عمرو ; وبهذا ضعفه جماعة . وليس بتضعيف صحيح ; إذ ليس في المثال الذي ذكر فعل يتعدى بنفسه عند حذف الجار ; وفي الآية فعل يصح فيه ذلك ; وهو قوله : " يعجل " .

( فنذر ) : هو معطوف على فعل محذوف ، تقديره : ولكن نمهلهم فنذر ; ولا يجوز أن يكون معطوفا على ( يعجل ) ; إذ لو كان كذلك لدخل في الامتناع الذي تقتضيه ( لو ) وليس كذلك ; لأن التعجيل لم يقع ، وتركهم في طغيانهم وقع .

[ ص: 6 ] قال تعالى : ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ( 12 ) ) .

قوله تعالى : ( لجنبه ) : في موضع الحال ; أي دعانا مضطجعا . ومثله ( قاعدا أو قائما ) : وقيل : العامل في هذه الأحوال مس ، وهو ضعيف لأمرين : أحدهما : أن الحال على هذا واقعة بعد جواب إذا وليس بالوجه . والثاني : أن المعنى كثرة دعائه في كل أحواله ، لا على أن الضر يصيبه في كل أحواله ;وعليه جاءت آيات كثيرة في القرآن .

( كأن لم يدعنا ) : في موضع الحال من الفاعل في " مر " .

( إلى ضر ) : أي إلى كشف ضر . واللام في لجنبه على أصلها عند البصريين ، والتقدير دعانا ملقيا لجنبه .

قال تعالى : ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين ( 13 ) ) .

قوله تعالى : ( من قبلكم ) : متعلق بأهلكنا وليس بحال من القرون ; لأنه زمان .

و ( وجاءتهم رسلهم ) : يجوز أن يكون حالا ; أي وقد جاءتهم ويجوز أن يكون معطوفا على ظلموا .

قال تعالى : ( ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ( 14 ) ) .

قوله تعالى : ( لننظر ) : يقرأ في الشاذ بنون واحدة وتشديد الظاء ، ووجهها أن النون الثانية قلبت ظاء وأدغمت .

قال تعالى : ( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ( 16 ) ) .

قوله تعالى : ( ولا أدراكم به ) : هو فعل ماض ، من دريت ، والتقدير : لو شاء الله لما أعلمكم بالقرآن . ويقرأ ولأدراكم به على الإثبات ; والمعنى ولو شاء الله لأعلمكم به بلا واسطة .

ويقرأ في الشاذ " ولا أدرأكم به " بالهمزة مكان الألف قيل : هي لغة لبعض العرب يقلبون الألف المبدلة من ياء همزة . وقيل هو غلط ; لأن قارئها ظن أنه من الدرء ، وهو الدفع . وقيل ليس بغلط والمعنى : ولو شاء الله لدفعكم عن الإيمان به .

[ ص: 7 ] ( عمرا ) : ينتصب نصب الظروف ; أي مقدار عمر ، أو مدة عمر .

التالي السابق


الخدمات العلمية