الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ) ( 35 ) .

قوله تعالى : ( وإن كان كبر عليك ) : جواب " إن " هذه ( فإن استطعت ) ؛ فالشرط الثاني جواب الأول ، وجواب الشرط الثاني محذوف تقديره : فافعل ، وحذف لظهور معناه وطول الكلام . ( في الأرض ) : صفة لنفق ، ويجوز أن يتعلق بتبتغي .

ويجوز أن يكون حالا من ضمير الفاعل ؛ أي : وأنت في الأرض ، ومثله : " في السماء " .

قال تعالى : ( إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ) ( 36 ) .

قوله تعالى : ( والموتى يبعثهم الله ) : في الموتى وجهان : أحدهما : هو في موضع نصب بفعل محذوف ؛ أي : ويبعث الله الموتى ، وهذا أقوى ؛ لأنه اسم قد عطف على اسم عمل فيه الفعل . والثاني : أن يكون مبتدأ ، وما بعده الخبر ، ويستجيب بمعنى يجيب .

[ ص: 367 ] قال تعالى : ( وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ( 37 ) .

قوله تعالى : ( من ربه ) : يجوز أن يكون صفة لآية ، وأن يتعلق بنزل .

قال تعالى : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) ( 38 ) .

قوله تعالى : ( في الأرض ) : يجوز أن يكون في موضع جر صفة لدابة ، وفي موضع رفع صفة لها أيضا على الموضع ؛ لأن من زائدة . ( ولا طائر ) : معطوف على لفظ دابة ، وقرئ بالرفع على الموضع . ( بجناحيه ) : يجوز أن تتعلق الباء بيطير ، وأن تكون حالا ، وهو توكيد ، وفيه رفع مجاز ؛ لأن غير الطائر قد يقال فيه طار إذا أسرع . ( من شيء ) : " من " زائدة ؛ " وشيء " هنا واقع موقع المصدر ؛ أي : تفريطا ، وعلى هذا التأويل لا يبقى في الآية حجة لمن ظن أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا .

ونظير ذلك ( لا يضركم كيدهم شيئا ) : أي ضررا وقد ذكرنا له نظائر .

ولا يجوز أن يكون " شيئا " مفعولا به ؛ لأن فرطنا لا تتعدى بنفسها بل بحرف الجر ، وقد عديت بفي إلى الكتاب فلا تتعدى بحرف آخر ، ولا يصح أن يكون المعنى ما تركنا في الكتاب من شيء ؛ لأن المعنى على خلافه ؛ فبان أن التأويل ما ذكرنا .

قال تعالى : ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) ( 39 ) .

قوله تعالى : ( والذين كذبوا ) : مبتدأ ، و ( صم وبكم ) : الخبر ، مثل : حلو حامض ، والواو لا تمنع ذلك .

ويجوز أن يكون " صم " خبر مبتدأ محذوف تقديره : بعضهم صم ، وبعضهم بكم .

( في الظلمات ) : يجوز أن يكون خبرا ثانيا ، وأن يكون حالا من الضمير المقدر في الخبر ، والتقدير : ضالون في الظلمات .

ويجوز أن يكون في الظلمات خبر مبتدأ محذوف ؛ أي : هم في الظلمات .

[ ص: 368 ] ويجوز أن يكون صفة لبكم ؛ أي : كائنون في الظلمات ، ويجوز أن يكون ظرفا لصم أو بكم ، أو لما ينوب عنهما من الفعل .

( من يشأ الله ) : من في موضع مبتدأ ، والجواب الخبر ، ويجوز أن يكون في موضع نصب بفعل محذوف ؛ لأن التقدير : من يشأ الله إضلاله أو عذابه ، فالمنصوب بـ " يشأ " من سبب " من " ، فيكون التقدير : من يعذب أو من يضلل ، ومثله ما بعده .

التالي السابق


الخدمات العلمية