الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 30 ] وإن تصادما ، أو تجاذبا مطلقا قصدا فماتا أو أحدهما فالقود ، وحملا [ ص: 31 ] عليه عكس السفينتين ، إلا لعجز حقيقي : [ ص: 32 - 33 ] لا لكخوف غرق ، أو ظلمة ، وإلا فدية كل على عاقلة الآخر ، وفرسه في مال الآخر كثمن العبد

التالي السابق


( وإن تصادما ) أي تلاطم المكلفان غير الحربيين المتكافئان قصدا فماتا معا أو أحدهما فالقود ، فإن ماتا معا فقد فات محله ، وإن مات أحدهما اقتص من الحي . وإن تصادم حربي ومعصوم فلا قود سواء ماتا معا أو أحدهما ، وإن تصادم مكلف وصبي قصدا فإن ماتا فلا قود لفوات محله ، وإن مات الصبي اقتص من المكلف ، وإن مات المكلف فديته على عاقلة الصبي ، وإن تصادم مكلفان أحدهما حر والآخر رق ، فإن ماتا فلا قود ، وإن مات الحر فديته في رقبة العبد ، وإن مات العبد فقيمته على الحر ( أو تجاذبا ) أيتساحب الشخصان بأيديهما أو بنحو حبل تصادما أو تجاذبا ( مطلقا ) أي سواء كانا راجلين أو راكبين أو مختلفين ، وسواء كانا بصيرين أو ضريرين أو مختلفين تصادم ا أو تجاذبا ( قصدا فماتا ) أي المتصادمان أو المتجاذبان معا ( أو ) مات ( أحدهما ) أي المتصادمين أو المتجاذبين فقط وسلم الآخر ( فالقود ) أي أحكام القصاص معتبرة ثبوتا أو نفيا من الجانبين أو أحدهما ، فينتفي في موتهما لفوات محله ، ويثبت من الحي في موت أحدهما إن كانا مكلفين متكافئين ولا يقتص من صبي ولا من حر لعبد ، إذ لم يتكافآ ، ودية المكلف الحر على عاقلة الصبي وفي رقبة العبد وقيمة العبد في مال الحر .

( و ) إن جهل حال المتصادمين أو المتجاذبين من جهة القصد وعدمه ( حملا ) بضم [ ص: 31 ] فكسر ، أي المتصادمان أو المتجاذبان ( عليه ) أي القصد حتى يثبت عدمه ( عكس ) تصادم ( السفينتين ) إذا تلفتا أو إحداهما وجهل قصد ما فيهما وعدمه فيحملون على عدم القصد ، فلا يضمنون مالا ولا دية لعذرهم بغلبة البحر والريح . الحط أي فإنهم يحملون على عدم القصد إذا جهل أمرهم ، فإن تحقق تعمدهم لإتلافهم فهم ضامنون فيها لو أن سفينة صدمت أخرى فكسرتها فغرق أهلها ، فإن كان ذلك من ريح غلبتهم أو من شيء لم يستطيعوا معه حبسها عن الأخرى فلا شيء عليهم ، وإن كانوا قادرين على صرفها ولم يصرفوها ضمنوا . ابن يونس يريد في أموالهم ، وقيل الديات على عواقلهم ونقله عنه ابن عرفة .

وقال اللخمي الديات في ذلك على العواقل إلا أن يتعمدوا ذلك ويعلموا أنه مهلك فالديات في أموالهم ، ونقله عنه أبو الحسن وهو مشكل فإنه يقتضي أن أهل السفينة إذا تعمدوا إغراق الأخرى فليس عليهم إلا الدية والظاهر أنه يجب فيه القصاص لأنه بمنزلة طرح من لا يحسن العوم بمنزلة المثقل . أبو الحسن مسألتا السفينة والفرس على ثلاثة أوجه ، فإن علم أن ذلك من الريح في السفينة وفي الفرس من غير راكبه فلا ضمان فيه ، وإن علم أنه من سبب النواتية في السفينة والراكب في الفرس فلا إشكال في ضمانهم ، وإن أشكل الأمر حمل في السفينة على أنه من الريح وفي الفرس على أنه من الراكب .

واستثنى من قوله حملا عليه استثناء منقطعا فقال ( إلا لعجز حقيقي ) عن صرف كل المتصادمين فرسه عن الآخر فلا يضمنان شيئا لا مالا ولا دية إذا علم أن جموحهما ليس من فعل الراكبين ، بل مما مرا به مثلا . ابن عرفة قول ابن عبد السلام إذا جمحت فرساهما بهما ولم يقدرا على صرفهما فلا يضمنان يرد بقولها إن جمحت دابة براكبها فوطئت إنسانا فعطب فهو ضامن ، ويقولها إن كان في الفرس اغترام فحمل بصاحبه فصدم فراكبه ضامن لأن سبب جمحه من راكبه وفعله به إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه فلا ضمان عليه ، وإن فعل به غيره ما جمح به فذلك على الفاعل والسفينة الريح هي الغالبة ، فهذا هو الفرق بينهما . [ ص: 32 ] قلت فهذا كالنص على أن ما تلف بسبب الجموح ضمانه من راكبه مطلقا إلا أن يعلم أنه من غيره خلاف قول ابن عبد السلام ما تلف بالجموح ولم يقدر على صرفه فلا ضمان فيه ا هـ . الحط وهو ظاهر الخرشي إلا لعجز حقيقي راجع للمتصادمين ، أي لقوله وحملا عليه ، أي العمد عند الجهل إلا لعجز حقيقي لا يستطيع أصحابهما صرفهما عنه فلا ضمان حينئذ ، وسيأتي إذا تحقق الخطأ ولا يصح رجوعه للسفينتين لفساد المعنى لأنه يصير المعنى عكس السفينتين ، أي فإنهما يحملان على العجز عند الجهل إلا لعجز حقيقي ، فإنهما يحملان على القصد وهو فاسد ونحوه لعب . العدوي الظاهر أنه راجع لصورتي اصطدام الفارسين والسفينتين ، وأنه مستثنى مما دل عليه كلام السابق ، أي إن تصادم السفينتين مخالف تصادم غيرهما في الحكم إلا إذا تحقق العجز عن الصرف عن التصادم فإنهما يستويان في أنه لا مال ولا قود في تصادم السفينتين ولا في تصادم غيرهما . البناني الذي لابن عاشر أنه راجع للسفينتين والمتصادمين ، أي فيرجع وإن تصادما إلخ ، ويكون كلام المصنف جاريا على ما استظهره الحط في السفينتين من القود عند القصد والله أعلم . تت إلا لعجز حقيقي نحوه لابن الحاجب ، وتبعه هنا مع أنه ناقشه في توضيحه فقال في قول ابن الحاجب فلو اصطدم سفينتان فلا ضمان بشرط العجز عن الصرف ، والمعتبر العجز حقيقة يناقش المصنف في قوله بشرط العجز لأنه يقتضي أنه لا بد من تحققه ، ولا يشترط تحقق العجز فالأولى أن يقال فلا ضمان إلا أن يعلم أن النواتين قادرتين على صرفها ا هـ .

طفي وأنت إذا تأملت علمت أن المناقشة لا ترد على المصنف ، إذ حاصلها أنه لا يشترط تحققه ، بل كذلك إذا جهل الأمر ، وهذا أخذ من قوله عكس السفينتين فالمصنف لم يتبع ابن الحاجب ، وغايته أنه زاد هذا وإن كان يفهم سقوط الضمان فيه بالأولى من قوله عكس السفينتين لإخراج الظلمة وخوف الغرق ، وأنه لا يعتبر في العجز مطلق العذر ، بل العجز الحقيقي وهو الذي لا قدرة معه أصلا ، والله أعلم .

( لا ) ينتفي الضمان عن أهل السفينة إن قدروا على صرفها عن الأخرى ولم يصرفوها [ ص: 33 ] عنها ( لكخوف غرق ) أو نهب أو أسر أو حرق أو كسر إن صرفوها حتى تلفتا أو إحداهما وما فيهما من آدمي أو غيره ، فيضمنون لقدرتهم على صرفها ، إذ ليس لهم أن يسلموا أنفسهم بإهلاك غيرهم ( أو ) اصطدمتا بسبب ( ظلمة ) فلم يشعروا حتى اصطدمتا فيضمنون كمصطدمين في البر لظلمة لأن اصطدامهما بفعلهم وعدم شعورهم للظلمة لا يخرجهم عن الضمان كالخطأ .

ابن يونس الإمام مالك " رضي الله عنه " في السفينتين تصطدمان فتغرق إحداهما بما فيها فلا شيء في ذلك على أحد لأن الريح تغلبهم إلا أن يعلم أن النواتية لو أرادوا صرفهما قدروا على حبسهما إلا أن في ذلك هلاكهم وغرقهم فلم يفعلوا فلتضمن عواقلهم دياتهم ، ويضمنوا هم الأموال في أموالهم ، وليس لهم أن يطلبوا نجاتهم بغرق غيرهم ، وكذلك لو لم يروهم في ظلمة الليل وهم لو رأوهم لقدروا على صرفها فهم ضامنون لما في السفينة ودية من مات على عواقلهم ، ولكن لو غلبتهم الريح أو غفلوا لم يكن عليهم شيء . ا هـ . " ق " ا هـ بناني .

( وإلا ) أي وإن لم يكن اصطدام السفينتين أو غيرهما أو تجاذب المتجاذبين قصدا بأن كان خطأ وترتب عليه الموت ( فدية كل ) من الآدميين ( على عاقلة الآخر ) لأنها عن جناية خطأ ( وفرسه ) قيمتها ( في مال الآخر ) ولا خصوصية للفرس ، بل كل ما تلف بسبب التصادم حكمه كالفرس . وشبه في التعلق بمال الآخر فقال ( كثمن ) أي قيمة ( العبد ) المصادم لحر فهي في مال الحر ودية الحر في رقبة العبد . ابن يونس ابن المواز فإن فضلت دية الحر على قيمة العبد فلا شيء عليه إلا أن يكون للعبد مال فتكون بقية الدية فيه . تت تنكيت ما ذكره المصنف في المتصادمين والسفينتين هو كلام ابن الحاجب ، وقال بعض المحققين ليس في المدونة ولا غيرها من الروايات ما يقتضي القصاص في ذلك ، وساق كلام دياتها في ذلك فانظره . [ ص: 34 ] طفي بعض المحققين هو العلامة ابن مرزوق فإنه قال في شرحه لم أره لغير ابن الحاجب وابن شاس ، وأطال في ذلك ، واعتراضه لا يرد عليهما ، إذ لم يذكرا في تصادم السفينتين قصاصا ، وإنما عبرا بالضمان ، ونص الأول وأما لو اصطدمت سفينتان فلا ضمان على أصحابهما إلا أن يتعمدوا ذلك ولو كان الملاحون قادرين على صرفهما فلم يصرفوهما ضمنوا وسواء كان ذلك لعذر أو لغير عذر من خوفهم على أنفسهم من الغرق أو غيره أو من أجل الظلمة وهم لو رأوهم قدروا على صرفها وغير ذلك ، ونص الثاني تقدم وتبعهما المصنف فلم ينص على القصاص فيحمل كلامه على الضمان ككلامهما وهو الموافق لقول دياتها لو كان ذلك من ريح غلبتهم أو من شيء لا يستطيعون حبسها معه فلا شيء عليهم ، وإن كانوا قادرين على صرفها فلم يفعلوا ضمنوا .

ابن يونس يريد في أموالهم ، وأما التصادم فنص ابن شاس وابن الحاجب على القصاص فيه وتبعهما المصنف وأقره ابن عرفة وغيره ونصوص أهل المذهب تدل عليه ولا سيما أن العمد الموجب للقصاص على مذهب الكتاب وهو المعتمد ما كان على وجه العدوان ولو كان مثله لا يقتل كلطمة فالتصادم أحرى ، ففيها من تعمد ضرب رجل بلطمة أو لكزة أو حجر أو بندقة أو قضيب أو عصا أو غير ذلك ففيه القود ، وفيها أيضا في المتصارعين إن كان على وجه القتال فصرعه فمات أو أخذ برجله فسقط فمات ففيه القود ، وأما قول دياتها ومثله في رواحلها إذا اصطدم الفارسان فمات الفرسان والراكبان فدية كل واحد على عاقلة الآخر ، وقيمة فرس كل واحد في مال الآخر فهو في الخطأ بدليل ذكر العاقلة ، وعلى ذلك حملها ابن عرفة ، ونصه فلو اصطدم فارسان حران خطأ فماتا هما وفرساهما ففي لزوم دية كل منهما عاقلة الآخر ، وقيمة فرس كل منهما في مال الآخر أو نصفيهما فقط قولان لها ولعيون مسائل ابن القصار عن أشهب مع تخريجه اللخمي على قول أشهب في حافري بئر انهارت عليهما على عاقلة كل منهما نصف دية الآخر ، وإن مات أحدهما فقط فعلى عاقلة الباقي نصف ديته ا هـ ، فلا حجة فيه لابن مرزوق ، فقد ظهر سقوط اعتراضه لمن تأمل وأنصف ، والله تعالى أعلم




الخدمات العلمية