الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وثبتت بإقرار ، إن طاع وإلا فلا ، لو أخرج السرقة ، أو عين القتيل ، [ ص: 330 ] وقبل رجوعه ولو بلا شبهة ، [ ص: 331 ] وإن رد اليمين فحلف الطالب ، أو شهد رجل وامرأتان ، أو واحد ، وحلف ، أو أقر السيد ، فالغرم بلا قطع ، وإن أقر العبد فالعكس ، [ ص: 332 ] ووجب رد المال إن لم يقطع مطلقا ، أو قطع ، إن أيسر إليه من الأخذ .

التالي السابق


( وتثبت ) السرقة على السارق ( بالإقرار ) منه على نفسه بها ( إن طاع ) بإقراره و لم يكره عليه ( و إلا ) أي وإن لم يقر بها طائعا بأن أكره عليه بضرب أو حبس أو قيد ( فلا ) تثبت عليه به إن لم يخرج المسروق ، بل ( ولو أخرج ) المكره ( السرقة ) أي الشيء المسروق الذي اتهم هو بسرقته ( أو عين ) بفتحات مثقلا القتيل الذي اتهم هو بقتله لاحتمال أن السارق أو القاتل غيره ، وأنه أقر به كاذبا ليخلص من ألم الضرب والسجن ونحوهما . ابن عرفة وتثبت السرقة بالبينة كالإقرار بها طوعا . وفيها ينبغي للإمام إذا شهدت عنده بينة على سارق أن يسألهم عن السرقة ما هي ، وكيف هي ، ومن أين أخذها وإلى أين أخرجها ، كما يسألهم في الزنا . قلت واتباع القرافي أبا عمران في اشتراط معية إيتان ببينة السرقة للشهادة بها وهم اللخمي فيمن أقر بعد التهديد خمسة أقوال الإمام مالك " رضي الله عنه " لا يؤخذ به . ابن القاسم إن أخرج المتاع أو القتيل فأرى أن يقال إلا أن يقر بعد أمن عقوبة أو يخبر بأمر يعرف به وجه ما أقر به ، كأنه يريد أن إخراج القتيل أو المتاع بانفراده لا يؤخذ به إلا أن ينضاف إلى ذلك ما يدل على صحته ، كقوله اجترأت أو فعلت ، فيذكر ما يدل على صدق [ ص: 330 ] إقراره . وقال مالك " رضي الله عنه " في الموازية إن عين السرقة يقطع إلا أن يقول دفعها إلي فلان ، وإنما أقررت لما أصابني ، ولو أخرج دنانير فلا يقطع لأنها لا تعرف أشهب لا يقطع ولو ثبت على إقراره إلا أن يعين السرقة ويعرف أنها للمسروق منه ، وقال سحنون إن أقر في حبس سلطان يعدل لزمه إقراره ، وكيف ينبغي إذا حبس أهل الظنة ومن يستوجب الحبس وأقر في حبسه أن لا يلزمه ، قال وإنما يعرف هذا من ابتلي بالقضاء ، واعتمد ابن عاصم قول سحنون فقال في تحفته :

وإن يكن مطالب من يتهم فمالك بالضرب والسجن حكم وحكموا بصحة الإقرار
من ذاعر يحبس لاختبار

وذاعر بإعجام الذال أي خائف وبإهمالها ، أي مفسد ، وبالزاي شرس الأخلاق ، وحمل ما في المدونة على غير المتهم ، والله أعلم .

( وقبل ) بضم فكسر ( رجوعه ) أي من أقر بالسرقة طائعا عن إقراره بها إن كان رجوعه لشبهة ، كأخذت مالي المودع أو المرهون أو من غاصبه خفية ، وظننت ذلك سرقة ، بل ( ولو ) رجع ( بلا شبهة ) مقتضية لرجوعه عن إقراره بأن قال : إنه كذب في إقراره وهو مقيد بما إذا لم يكن المقر بها عبدا وعينها فيقطع ولو رجع عن إقراره ، وقبول رجوعه إنما هو بالنسبة إلى القطع . وأما الغرم فلا بد منه أفاده شب .

أبو عمر اتفق الأئمة الثلاثة مالك وأبو حنيفة والشافعي " رضي الله عنه " على قبول رجوع المقر بالزنا والسرقة والشرب إذا لم يدع المسروق منه ما أقر به السارق .الباجي إن رجع بغير شبهة فروى ابن وهب ومطرف أنه يقال وقال ابن القاسم عبد الملك عن مالك رضي الله تعالى عنهم أنه لا يقال في المقدمات إن كان إقراره بعد ضرب وتهديد فلا يقطع بمجرده . واختلف إذا عين على قولين قائمين من المدونة ، فعلى القطع إن رجع عن إقراره قبل قولا واحدا ، وعلى عدمه إن تمادى على إقراره بعد أن أمن ، ففي المدونة يقطع . [ ص: 331 ] وقال ابن الماجشون لا يقطع وإن كان إقراره بعد الأخذ بلا ضرب ولا تهديد فقيل يقطع بمجرد إقراره ، وإن لم يعين السرقة وهو ظاهر ما في السرقة من المدونة . وقيل لا يقطع حتى يعينها وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى وقول مالك في سماع أشهب ، فعلى ما فيها له أن يرجع عن إقراره وإن لم يأت بوجه وهو ظاهر ما فيها ، ولا خلاف عندي في هذا الوجه ، وعلى القول الثاني اختلف هل له أن يرجع عن إقراره بعد التعيين أم لا على القولين عن مالك رضي الله عنه والقولان إنما هما إذا قال أقررت لوجه كذا ، وأما إن جحد إقراره بعد التعيين فلا يقبل قولا واحدا ، أفاده البناني .

( وإن ) ادعى شخص على آخر بالسرقة فأنكرها وهو متهم ولا بينة للمدعي فطلب من المدعى عليه اليمين ف ( رد ) المدعى عليه ( اليمين ) على المدعي ( فحلف الطالب ) اليمين فالغرم بلا قطع ( أو شهد ) على المدعى عليه المنكر بالسرقة ( رجل وامرأتان ) فالغرم بلا قطع ( أو ) شهد شاهد ( واحد وحلف ) المدعي معه فالغرم بلا قطع ( أو أقر السيد ) على عبده بالسرقة ( فالغرم ) بضم الغين المعجمة للمال المدعى به على المدعى عليه ( بلا قطع ) ليده في المسائل الأربع . ابن عرفة وفيها إن شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة فلا يقطع ويضمن قيمة ذلك ولا يمين على رب المتاع ، وإن شهد رجل واحد حلف الطالب مع شهادته وأخذ المتاع إن كان قائما ، ولا يقطع السارق وإن استهلك المتاع ضمن السارق قيمته وإن كان عديما . غ أو أقر السيد فالغرم بلا قطع وإن أقر العبد فالعكس ، أي القطع بلا غرم كذا في أكثر النسخ التي وقفت عليها ، ولا يصح غيره ، ففي المدونة إن أقر عبد أو مدبر أو مكاتب أو أم ولد بسرقة قطعوا إذا عينوا السرقة وأظهروها وادعى السيد أنه ماله [ ص: 332 ] صدق مع يمينه . ابن عرفة في قبول قوله في المكاتب نظر ، وكأنه لم يقف على تقييد اللخمي له بغير المكاتب . أبو الحسن وحكم المأذون حكم المكاتب وبالله تعالى التوفيق .

( ووجب ) على السارق ( رد المال ) المسروق لمستحقه ( إن لم يقطع ) بضم التحتية لقلته عن النصاب أو لأنه من غير حرز أو لرجوعه عن إقراره أو لكون الشاهد واحدا أو رجلا وامرأتان ردا ( مطلقا ) عن التقييد ببقاء المال بعينه أو استمرار يساره ( أو قطع ) بضم فكسر السارق ( إن أيسر ) السارق أي استمر يسره ( إليه ) أي قطعه ( من ) حين ( الأخذ ) للمسروق من حرزه ، فإن أعسر فيما بينهما وقتا ما سقط عنه الغرم لئلا يجتمع عليه عقوبتان قطع يده وشغل ذمته . ابن يونس الإمام مالك وأصحابه رضي الله تعالى عنهم لو سرق مالا لا يجب فيه القطع إما لقلته أو لأنه من غير حرز أو لغير ذلك ، فإنه يتبع بذلك في عدمه ويحاص به غرماؤه ، وإذا كان يجب فيه القطع فلا يتبع في عدمه ولا يتبع إلا في يسر متصل من يوم يسرق إلى يوم يقطع وإلا فلا يتبع .

وإن صار مليا بعد عدم مقدم قال الإمام مالك " رضي الله عنه " وهو الأمر المجتمع عليه عندنا . ابن عرفة موجب السرقة قطع السارق وضمان السرقة إن لم يقطع لازم له اتفاقا ، فإن قطع وهي قائمة بعينها استحقها ربها ، وإن استهلكها ففي ضمانه إياها مطلقا ونفيه . ثالثها إن اتصل يسره بها من يوم السرقة إلى يوم القطع . ورابعها إلى يوم القيامة ، ثم قال قال ابن حارث اتفق أصحاب الإمام مالك " رضي الله عنه " أن السارق المعسر يوم قطعه لا يضمن إلا ابن عبد الحكم فقال يضمنها ولو معسرا .




الخدمات العلمية