الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر قتل الأمين

لما دخل محمد إلى مدينة المنصور ، واستولى طاهر على أسواق الكرخ وغيرها ، كما تقدم ، وقر بالمدينة - علم قواده وأصحابه أنهم ليس لهم فيها عدة الحصر ، وخافوا أن يظفر بهم طاهر ، فأتاه محمد بن حاتم بن الصقر ، ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الإفريقي ، وغيرهما ، فقالوا : قد آلت حالنا إلى ما ترى ، وقد رأينا رأيا نعرضه عليك ، فانظر فيه واعتزم عليه ، فإنا نرجو أن يجعل الله فيه الخيرة .

[ ص: 448 ] قال : وما هو ؟ قالوا : قد تفرق عنك الناس ، وأحاط بك عدوك ، وقد بقي معك من خيلك سبعة آلاف فرس من خيارها ، فنرى أن تختار ممن عرفناه بمحبتك من الأبناء سبعة آلاف ، فتحملهم على هذه الخيل ، وتخرج ليلا على باب من هذه الأبواب ، فإن الليل لأهله ، ولن يثبت لنا أحد إن شاء الله - تعالى - فنخرج حتى نلحق بالجزيرة والشام ، فنفرض الفروض ، ونجبي الخراج ، ونصير في مملكة واسعة وملك جديد ، فيسارع إليك الناس ، وينقطع عن طلبك الجند ، ويحدث الله أمورا .

فقال لهم : نعم ما رأيتم ! وعزم على ذلك ، وبلغ الخبر إلى طاهر ، فكتب إلى سليمان بن المنصور ، ومحمد بن عيسى بن نهيك ، والسندي بن شاهك : والله لئن لم تردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها ، ولا يكون لي همة إلا أنفسكم .

فدخلوا على الأمين فقالوا له : قد بلغنا الذي عزمت عليه ، فنحن نذكرك الله في نفسك ، إن هؤلاء صعاليك ، وقد بلغ بهم الحصار إلى ما ترى ، فهم يرون أن لا أمان لهم عند أخيك ، وعند طاهر ، لجدهم في الحرب ، ولسنا نأمن إذا خرجت معهم أن يأخذوك أسيرا ، أو يأخذوا رأسك ، فيتقربوا بك ويجعلوك سبب أمانهم . وضربوا فيه الأمثال ، فرجع إلى قولهم ، وأجاب إلى طلب الأمان والخروج ، فقالوا له : إنما غايتك السلامة ، واللهو ، وأخوك يتركك حيث أحببت ، [ ويفردك في موضع ] ويجعل لك فيه كل ما يصلحك ، وكل ما تحب وتهوى ، وليس عليك منه بأس ولا مكروه . فركن إلى ذلك ، وأجاب إلى الخروج إلى هرثمة بن أعين .

فدخل عليه أولئك النفر الذين أشاروا بقصد الشام ، وقالوا : إذا لم تقبل ما أشرنا به عليك ، وهو الصواب ، وقبلت من هؤلاء المداهنين ، فالخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة ، فقال : أنا أكره طاهرا ، لأني رأيت في منامي كأني قائم على حائط من آجر شاهق في السماء ، عريض الأساس ، لم أر مثله في الطول والعرض ، وعلي سوادي ، ومنطقي ، وسيفي ، وكان طاهر في أصل ذلك الحائط ، فما زال يضربه حتى سقط ، وسقطت ، وطارت قلنسوتي عن رأسي ، فأنا أتطير منه وأكرهه ، وهرثمة مولانا ، [ ص: 449 ] وهو بمنزلة الوالد ، وأنا أشد أنسا به وثقة إليه .

فأرسل يطلب الأمان ، فأجابه هرثمة إلى ذلك ، وحلف له أنه يقاتل دونه إن هم المأمون بقتله ، فلما علم ذلك طاهر اشتد عليه ، وأبى أن يدعه يخرج إلى هرثمة وقال : هو في جندي والجانب الذي أنا فيه ، وأنا أحرجته بالحصار حتى طلب الأمان ، ، فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة ، فيكون له الفتح دوني .

فلما بلغ ذلك هرثمة والقواد اجتمعوا في منزل خزيمة بن خازم ، وحضر طاهر وقواده ، وحضر سليمان بن المنصور ، والسندي ، ومحمد بن عيسى بن نهيك ، وأداروا الرأي بينهم ، وأخبروا طاهرا أنه لا يخرج إليه أبدا ، وأنه إن لم يجب إلى ما سأل لم يؤمن ، إلا أن يكون الأمر مثله أيام الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان . وقالوا له : إنه إن يخرج إلى هرثمة ببدنه ، ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة ، ( وذلك هو الخلافة ، فاغتنم هذا الأمر ولا تفسده ! فأجاب إلى ذلك ورضي به .

ثم إن الهرش لما علم بالخبر أراد التقرب إلى طاهر ، فأخبره أن الذي جرى بينهم مكر ، وأن الخاتم والقضيب والبردة تحمل مع الأمين إلى هرثمة ، فاغتاظ منه ، وجعل حول قصر أم الأمين وقصور الخلد قوما معهم العتل ، ولم يعلم بهم أحد ، فلما تهيأ الأمين للخروج إلى هرثمة ، عطش قبل خروجه عطشا شديدا ، فطلب له في خزانة الشراب ماء ، فلم يوجد ، فلما أمسى ليلة الأحد ، لخمس بقين من محرم سنة ثمان وتسعين ومائة ، خرج بعد العشاء الآخرة إلى صحن الدار ، وعليه ثياب بيض ، وطيلسان أسود ، فأرسل إليه هرثمة : وافيت للميعاد ) لأحملك ، ولكني أرى أن لا تخرج الليلة ، فإني قد رأيت على الشط أمرا قد رابني ، وأخاف أن أغلب وتؤخذ من يدي ، وتذهب نفسك ونفسي ، فأقم الليلة حتى أستعد وآتيك الليلة القابلة ، فإن حوربت حاربت دونك .

فقال الأمين للرسول : ارجع إليه ، وقل له لا يبرح ، فإني خارج إليه الساعة لا محالة ، ولست أقيم إلى غد .

وقلق وقال : قد تفرق عني الناس من الموالي والحرس وغيرهم ، ولا آمن إن انتهى الخبر إلى طاهر أن يدخل علي فيأخذني ، ثم دعا بابنيه ، فضمهما إليه وقبلهما ، وبكى وقال : أستودعكما الله - عز وجل - ودمعت عيناه ، فمسح دموعه بكمه ، ثم جاء [ ص: 450 ] راكبا إلى الشط ، فإذا حراقة هرثمة ، فصعد إليها .

فذكر أحمد بن سلام صاحب المظالم ، قال : كنت مع هرثمة في الحراقة ، فلما دخلها الأمين قمنا له ، وجثا هرثمة على ركبتيه ، واعتذر إليه من نقرس به ، ثم احتضنه وضمه إليه ، وجعله في حجره ، وجعل يقبل يديه ورجليه وعينيه ، وأمر هرثمة بالحراقة أن تدفع ، إذ شد علينا أصحاب طاهر في الزواريق ، وعطعطوا ونقبوا الحراقة ، ورموهم بالآجر والنشاب ، فدخل الماء إلى الحراقة ، فغرقت ، وسقط هرثمة إلى الماء وسقطنا ، فتعلق الملاح بشعر هرثمة فأخرجه ، وأما الأمين فإنه لما سقط إلى الماء شق ثيابه وخرج إلى الشط ، فأخذني رجل من أصحاب طاهر ، وأتى بي رجلا من أصحاب طاهر ، وأعلمه أني من الذين خرجوا من الحراقة ، فسألني من أنا ؟ فقلت : أنا أحمد بن سلام ، صاحب المظالم ، مولى أمير المؤمنين ، قال : كذبت ، فاصدقني ! قلت : قد صدقتك . قال : فما فعل المخلوع ؟ قلت : رأيته وقد شق ثيابه . فركب ، وأخذني معه أعدو وفي عنقي حبل ، فعجزت عن العدو ، فأمر بضرب عنقي ، فاشتريت نفسي منه بعشرة آلاف درهم ، فتركني في بيت ، حتى يقبض المال ، وفي البيت بواري وحصر مدرجة ووسادتان .

فلما ذهب من الليل ساعة ، وإذ قد فتحوا الباب ، وأدخلوا الأمين وهو عريان ، وعليه سراويل وعمامة ، وعلى كتفه خرقة خلقة ، فتركوه معي ، فاسترجعت وبكيت فيما بيني وبين نفسي ، فسألني عن اسمي فعرفته ، فقال : ضمني إليك ، فإني أجد وحشة شديدة . قال : فضممته إلي ، وإذا قلبه يخفق خفقا شديدا ، فقال : يا أحمد ! ما فعل أخي ؟ قلت : حي هو . قال : قبح الله بريدهم ، كان يقول : قد مات شبه المعتذر من محاربته . فقلت : بل قبح الله وزراءك . فقال : ما تراهم يصنعون بي ، أيقتلونني أم يفون لي بأمانهم ؟ فقلت : بل يفون لك .

وجعل يضم الخرقة على كتفه ، فنزعت مبطنة كانت علي ، وقلت : ألق هذه عليك ! فقال : دعني ، فهذا من الله - عز وجل - في مثل هذا الموضع خير كثير .

فبينما نحن كذلك ، إذ دخل علينا رجل ، فنظر في وجوهنا ، فاستثبتها ، فلما عرفته انصرف ، وإذا هو محمد بن حميد الطاهري ، فلما رأيته علمت أن الأمين مقتول ، فلما انتصف الليل فتح الباب ، ودخل الدار قوم من العجم معهم السيوف مسلولة ، فلما رآهم قام قائما ، وجعل يقول : إنا لله وإن إليه راجعون ، ذهبت - والله - نفسي في سبيل الله ، أما من مغيث ، أما من أحد من الأبناء ؟

[ ص: 451 ] وجاءوا حتى وقفوا على باب البيت الذي نحن فيه ، وجعل بعضهم يقول لبعض : تقدم ، ويدفع بعضهم بعضا ، وأخذ الأمين بيده وسادة ، وجعل يقول : ويحكم ! أنا ابن عم رسول الله ، أنا ابن هارون ، أنا أخو المأمون ، الله الله في دمي .

فدخل عليه رجل منهم فضربه بالسيف ضربة وقعت في مقدم رأسه ، وضربه الأمين بالوسادة على وجهه ، وأراد [ أن ] يأخذ السيف منه فصاح : قتلني ! قتلني ! فدخل منهم جماعة ، فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته ، فركبوه ، فذبحوه ذبحا من قفاه ، وأخذوا رأسه ، ومضوا به إلى طاهر ، وتركوا جثته .

فلما كان السحر أخذوا جثته ، فأدرجوها في جل وحملوها ، فنصب طاهر الرأس على برج ، وخرج أهل بغداذ للنظر ، وطاهر يقول : هذا رأس المخلوع محمد .

فلما قتل ندم جند بغداذ وجند طاهر على قتله ، لما كانوا يأخذون من الأموال ، وبعث طاهر برأس محمد إلى أخيه المأمون مع ابن عمه محمد بن الحسين بن مصعب ، وكتب معه بالفتح ، فلما وصل أخذ الرأس ذو الرياستين ، فأدخله على ترس ، فلما رآه المأمون سجد ، وبعث معه طاهر بالبردة والقضيب والخاتم .

ولما بلغ أهل المدينة أن طاهرا أمر مولاه قريشا فقتله ، قال شيخ من أهل المدينة : سبحان الله ! كنا نروي أنه يقتله قريش ، فذهبنا إلى القبيلة فوافق الاسم [ الاسم ] .

ولما قتل الأمين نودي في الناس بالأمان ، فأمن الناس كلهم ، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة ، فصلى بالناس ، وخطب للمأمون ، وذم الأمين ، وكتب إلى المعتصم ، وقيل إلى ابن المهدي : أما بعد ، فإنه عزيز علي أن أكتب إلى رجل من أهل بيت الخلافة بغير التأمير ، ولكنه بلغني أنك تميل بالرأي ، وتصغي بالهوى إلى الناكث المخلوع ، فإن كان كذلك فكثير ما كتبت إليك ، وإن كان غير ذلك فالسلام عليك أيها الأمير ، ورحمة الله وبركاته .

[ ص: 452 ] ولما قتل الأمين قال إبراهيم بن المهدي يرثيه :

عوجا بمغنى الطلل الداثر بالخلد ذات الصخر والآجر     والمرمر المنسوب يطلى به
والباب باب الذهب الناضر     عوجا بها فاستيقنا عندها
على يقين قدرة القادر     وأبلغا عني مقالا إلى ال
مولى على المأمور والآمر     قولا له يابن أبي الناصر
طهر بلاد الله من طاهر     لم يكفه أن حز أوداجه
ذبح الهدايا بمدى الجازر     حتى أتى يسحب أوداجه
في شطن ( هذا مدى ) السائر     قد برد الموت على جنبه
فطرفه منكسر الناظر

( فلما بلغ المأمون قوله اشتد عليه ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية