الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر البيعة للمأمون بمكة والمدينة

وفي هذه السنة خلع داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي - الأمين ، وهو عامله على مكة والمدينة ، وبايع للمأمون .

وكان سبب ذلك أنه لما بلغه ما كان من الأمين والمأمون وما فعل طاهر ، وكان الأمين قد كتب إلى داود بن عيسى يأمره بخلع المأمون ، وبعث أخذ الكتابين من الكعبة ، كما تقدم - فلما فعل ذلك جمع داود وجوه الناس ومن كان شهد في الكتابين ، وكان داود أحدهم ، فقال لهم : قد علمتم ما أخذ الرشيد علينا وعليكم من العهد والميثاق عند بيت الله الحرام ، لابنيه ، لنكونن مع المظلوم منهما على الظالم ، ومع المغدور به على الغادر ، وقد رأينا ورأيتم أن محمدا قد بدأ بالظلم والبغي والغدر والنكث على أخويه [ ص: 433 ] المأمون والمؤتمن ، وخلعهما عاصيا لله ، وبايع لابنه ، طفل صغير ، رضيع لم يفطم ، وأخذ الكتابين من الكعبة ، فحرقهما ظالما ، فقد رأيت خلعه ، والبيعة للمأمون ، إذ كان مظلوما مبغيا عليه .

فأجابوه إلى ذلك ، فنادى في شعاب مكة ، فاجتمع الناس فخطبهم بين الركن والمقام ، وخلع محمدا وبايع للمأمون ، وكتب إلى ابنه سليمان ، وهو عامله على المدينة ، يأمره أن يفعل مثل ما فعل ، فخلع سليمان الأمين ، وبايع للمأمون .

فلما أتاه الخبر بذلك سار من مكة على طريق البصرة ، ثم إلى فارس ، ثم إلى كرمان ، حتى صار إلى المأمون بمرو ، فأخبره بذلك ، فسر المأمون بذلك سرورا شديدا ، وتيمن ببركة مكة والمدينة .

( وكانت البيعة بهما في رجب سنة ست وتسعين ومائة ، واستعمل داود على مكة والمدينة ) ، وأضاف إليه ولاية عك ، وأعطاه خمسمائة ألف درهم معونة ، وسير معه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى ، وجعله على الموسم ، فسارا حتى أتيا طاهرا ببغداذ ، فأكرمهما وقربهما ، ووجه معهما يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري البجلي عاملا على اليمن ، وبعث معه خيلا كثيفة ، فلما قدم اليمن دعا أهلها إلى خلع الأمين والبيعة للمأمون ، ووعدهم العدل والإحسان ، وأخبرهم بسيرة المأمون ، فأجابوه إلى ما طلب ، وخلعوا محمدا وبايعوا للمأمون ، وكتب بذلك إلى طاهر وإلى المأمون ، وسار فيهم أحسن سيرة ، وأظهر العدل .

التالي السابق


الخدمات العلمية