الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر الاختلاف بين أهل خراسان

وفي هذه السنة وقع الاختلاف بخراسان بين النزارية واليمانية وأظهر الكرماني الخلاف لنصر بن سيار .

وكان السبب في ذلك أن نصرا رأى الفتنة قد ثارت فرفع حاصل بيت المال ، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقا وذهبا من الآنية التي كان اتخذها للوليد ، فطلب [ ص: 317 ] الناس منه العطاء وهو يخطب ، فقال نصر : إياي والمعصية ! عليكم بالطاعة والجماعة ! فوثب أهل السوق إلى أسواقهم ، فغضب نصر وقال : ما لكم عندي عطاء . ثم قال : كأني بكم وقد نبع من تحت أرجلكم شر لا يطاق ، وكأني بكم مطرحين في الأسواق كالجزر المنحورة ، إنه لم تطل ولاية رجل إلا ملوها ، وأنتم يا أهل خراسان مسلحة في نحور العدو ، فإياكم أن يختلف فيكم سيفان ، إنكم ترشون أمرا تريدون به الفتنة ، ولا أبقى الله عليكم ! لقد نشرتكم وطويتكم ، [ وطويتكم ونشرتكم ] فما عندي منكم عشرة ! وإني وإياكم كما قيل :

استمسكوا أصحابنا نحدو بكم فقد عرفنا خيركم وشركم



فاتقوا الله ! فوالله لئن اختلف فيكم سيفان ، ليتمنين أحدكم أنه ينخلع من ماله وولده ! يا أهل خراسان إنكم قد غمطتم الجماعة ، وركنتم إلى الفرقة ! ثم تمثل بقول النابغة الذبياني : فإن يغلب شقاؤكم عليكم فإني في صلاحكم سعيت

وقدم على نصر عهده على خراسان من عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ، فقال الكرماني لأصحابه : الناس في فتنة فانظروا لأموركم رجلا .

وإنما سمي الكرماني لأنه ولد بكرمان ، واسمه جديع بن علي الأزدي المعني ، فقالوا له : أنت لنا .

وقالت المضرية لنصر : إن الكرماني يفسد عليك الأمور فأرسل إليه ( فاقتله أو احبسه . قال : لا ولكن لي أولاد ذكور وإناث فأزوج بني من بناته ) وبناتي من بنيه . قالوا : لا . قال : فابعث إليه بمائة ألف درهم وهو بخيل ، ولا يعطي أصحابه شيئا منها فيتفرقون عنه . قالوا : لا ، هذه قوة له ، ولم يزالوا به حتى قالوا له : إن الكرماني لو لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصر وتهود .

[ ص: 318 ] وكان نصر والكرماني متصافيين ، وكان الكرماني قد أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله ، فلما ولي نصر عزل الكرماني عن الرياسة وولاها غيره ، فتباعد ما بينهما .

فلما أكثروا على نصر في أمر الكرماني عزم على حبسه ، فأرسل صاحب حرسه ليأتيه به ، فأرادت الأزد أن تخلصه من يده ، فمنعهم من ذلك وسار مع صاحب الحرس إلى نصر وهو يضحك ، فلما دخل عليه قال له نصر : يا كرماني ألم يأتني كتاب يوسف بن عمر بقتلك فراجعته ، وقلت : شيخ خراسان وفارسها فحقنت دمك ؟ قال : بلى . قال : ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم ، وقسمته في أعطيات الناس ؟ قال : بلى . قال : ألم أرئس ابنك عليا على كره من قومك ؟ قال : بلى . قال : فبدلت ذلك إجماعا على الفتنة ! قال الكرماني : لم يقل الأمير شيئا إلا وقد كان أكثر منه ، وأنا لذلك شاكر ، وقد كان مني أيام أسد ما قد علمت فليتأن الأمير فلست أحب الفتنة . فقال سالم بن أحوز : اضرب عنقه أيها الأمير ! فقال عصمة بن عبد الله الأسدي للكرماني : إنك تريد الفتنة وما لا تناله . فقال المقدام وقدامة ابنا عبد الرحمن بن نعيم العامري : لجلساء فرعون خير منكم إذ ( قالوا أرجه وأخاه ) ، والله لا يقتل الكرماني بقولكما ! فأمر بضربه وحبس في القهندز لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست وعشرين ومائة .

فتكلمت الأزد ، فقال نصر : إني حلفت أن أحبسه ولا يناله مني سوء ، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه . فاختاروا رجلا يكون معه . فاختاروا يزيد النحوي ، فكان معه .

فجاء رجل من أهل نسف فقال لآل الكرماني : ما تجعلون لي إن أخرجته ؟ قالوا : كل ما سألت . فأتى مجرى الماء في القهندز فوسعه وقال لولد الكرماني : اكتبوا إلى أبيكم يستعد الليلة للخروج . فكتبوا إليه ، فأدخلوا الكتاب في الطعام ، فتعشى الكرماني ويزيد النحوي وخضر بن حكيم وخرجا من عنده ، ودخل الكرماني السرب فانطوت على بطنه حية فلم تضره وخرج من السرب ، وركب فرسه البشير والقيد في رجله فأتوا به عبد الملك بن حرملة ، فأطلق عنه .

وقيل : بل خلص الكرماني مولى له رأى خرقا في القهندز فوسعه وأخرجه ، فلم يصل الصبح حتى اجتمع معه زهاء ألف ، ولم يرتفع النهار حتى بلغوا ثلاثة آلاف ، [ ص: 319 ] وكانت الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة على كتاب الله وسنة رسوله ، فلما خرج الكرماني قدمه عبد الملك .

فلما هرب الكرماني عسكر نصر بباب مرو الروذ وخطب الناس فنال من الكرماني ، فقال : ولد بكرمان فكان كرمانيا ، ثم سقط إلى هراة فصار هرويا ، والساقط بين الفراشين لا أصل ثابت ولا فرع نابت ، ثم ذكر الأزد فقال : إن يستوسقوا فهم أذل قوم ، وإن يأبوا فهم كما قال الأخطل :

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت     فدل عليها صوتها حية البحر



ثم ندم على ما فرط منه فقال : اذكروا الله فإنه خير لا شر فيه .

ثم اجتمع إلى نصر بشر كثير ، فوجه سالم بن أحوز في المجففة إلى الكرماني ، فسفر الناس بين نصر والكرماني وسألوا نصرا أن يؤمنه ولا يحبسه ، وجاء الكرماني فوضع يده في يد نصر ، فأمره بلزوم بيته .

ثم بلغ الكرماني عن نصر شيء فخرج إلى قرية له ، فخرج نصر فعسكر بباب مرو ، فكلموه فيه فآمنه ، وكان رأي نصر إخراجه من خراسان ، فقال له سالم بن أحوز : إن أخرجته نوهت باسمه ، وقال الناس : إنما أخرجه لأنه هابه . فقال نصر : إن الذي أتخوفه منه إذا خرج أيسر مما أتخوفه منه وهو مقيم ، والرجل إذا نفي عن بلده صغر أمره . فأبوا عليه ، فآمنه وأعطى أصحابه عشرة عشرة ، وأتى الكرماني نصرا فآمنه .

فلما عزل ابن جمهور عن العراق وولي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في شوال سنة ست وعشرين خطب نصر وذكر ابن جمهور وقال : قد علمت أنه لم يكن من عمال العراق وقد عزله الله واستعمل الطيب بن الطيب . فغضب الكرماني لابن جمهور وعاد في جمع الرجال واتخاذ السلاح ، فكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمائة وأكثر وأقل فيصلي خارج المقصورة ، ثم يدخل فيسلم على نصر ولا يجلس . ثم ترك إتيان نصر وأظهر الخلاف ، فأرسل إليه نصر مع سالم بن أحوز يقول له : إني والله ما أردت بحبسك [ ص: 320 ] سوءا ، ولكن خفت فسادا من الناس فأتني . فقال : لولا أنك في منزلي لقتلتك ، ارجع إلى ابن الأقطع وأبلغه ما شئت من خير أو شر . فرجع إلى نصر فأخبره ، فلم يزل يرسل إليه مرة بعد أخرى ، فكان آخر ما قال له الكرماني : إني لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد فتركب منا ما لا بقية بعده ، فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك ، ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة وأسفك الدماء فيها . فتهيأ للخروج إلى جرجان .

( المعني : بفتح الميم ، وسكون العين المهملة ، وبعدها نون : قبيلة من الأزد ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية