الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا يقرب المحرم الطيب في غسله ولا حنوطه ولا يخمر رأسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ولا تخمروا رأسه " [ ص: 13 ] ولقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " وإن ابنا لعثمان توفي محرما فلم يخمر رأسه ولم يقربه طيبا " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهو كما قال :

                                                                                                                                            الإحرام لا ينقطع بالموت ، فإذا مات المحرم لم يغط رأسه ، ولم يمس طيبا ، ولم يلبس مخيطا ، وبه قال من الصحابة : عثمان وعلي وابن عباس رضي الله عنهم .

                                                                                                                                            ومن التابعين : عطاء .

                                                                                                                                            ومن الفقهاء : سفيان الثوري وأحمد وإسحاق .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة ، ومالك : قد انقطع عنه إحرامه بالموت ، وجاز تطييبه وتغطية رأسه . وبه قال من الصحابة ابن عمر وعائشة رضي الله عنها استدلالا برواية عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خمروا موتاكم ولا تشبهوا باليهود " . وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له " . فدل على انقطاع إحرامه .

                                                                                                                                            قالوا : ولأنها عبادة شرعية فوجب أن يسقط حكمها بالموت كالصلاة ، قالوا ولأنها عبادة يتعلق بها تحريم الطيب فوجب أن ينقطع حكمها بالموت كالعدة ، قالوا : ولأنه لو كان حكم إحرامه باقيا بعد موته لوجبت الفدية في تطييبه وتغطية رأسه ، كمن طيب مجنونا محرما ، فلما لم تجب الفدية على من فعل به دل على انقطاع إحرامه .

                                                                                                                                            والدلالة على ما قلنا : رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخر رجل عن بعيره فوقص فمات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اغسلوه بماء وسدر ، وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ، ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " .

                                                                                                                                            فإن قيل : فقد علل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بأنه قال : " يبعث يوم القيامة ملبيا " وعلق الحكم به ، وليس يعلم هل يبعث غيره ملبيا أم لا ؟ قلنا : إنما علق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحكم بموته محرما لا لأنه يبعث ملبيا ، على أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من مات محرما يبعث يوم القيامة ملبيا " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " حرمة المسلم بعد موته كحرمته قبل [ ص: 14 ] موته ، وكسر عظمه بعد موته ككسره قبل موته " . فسوى بين حرمتهما فاقتضى تساوي حكمهما .

                                                                                                                                            وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يحشر المرء في ثوبيه الذين مات فيهما " . قال أهل العلم : يحشر في عمله الصالح والطالح ، فدل ذلك على ثبوت إحرامه بعد موته ، ولأنه عقد لا يخرج منه بالجنون فجاز أن يبقى بعض أحكامه بعد الموت كالنكاح ، ولأنها عبادة ثبتت حكما ، يفعله تارة ويفعل غيره أخرى ، فوجب أن لا يبطل حكمها بالموت كالإيمان ، ولأنه معنى يزيل التكليف فوجب أن لا يبطل حكم الإحرام كالإغماء والجنون ، ولأنه ليس محرما في حياته فوجب أن لا يزول تحريمه بوفاته كالحرير والثوب المغصوب .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم " خمروا رءوس موتاكم " فالمراد به من سوى المحرم ؛ لأنه قال : " ولا تشبهوا باليهود " وليس في اليهود محرم .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث " . فهو أن هذا لو لزمنا في سائر المحرمين للزمهم في المحرم الذي حكم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يغطى رأسه ، فلما لم يمتنع لهم تخصيص ذلك المحرم لم يمتنع لنا تخصيص سائر المحرمين ، على أنه قد روي في خبر " انقطع عمله إلا من خمس " ذكر فيها " حج يؤدى ودين يقضى " فثبت بنص الخبر تخصيص المحرم .

                                                                                                                                            وأما قياسهم على الصلاة ، فالمعنى في الصلاة : أنها تبطل بالجنون والإغماء ، وأما قياسهم على المعتدة فليس للشافعي فيها نص ، ولأصحابنا فيها اختلاف ، على قول أبي إسحاق : إن حكم العدة باق ، فعلى هذا يسقط سؤالهم ، وعلى قول غيره من أصحابنا قد انقطع حكم العدة .

                                                                                                                                            والفرق بينها وبين الإحرام أن العدة حق لآدمي على بدن فانقطع حكمه بالموت والإسلام ، وأما سقوط العدة فلأجل عدم الاستمتاع ، وتحريم الطيب باق لأجل الإحرام ، كالميت يحرم تكسير عظمه لبقاء حرمته ، وسقط أرشه لزوال منفعته .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية