الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5656 5657 5658 5659 5660 5661 ص: وأما ما احتج به الذين أفسدوا البيع بذلك الشرط: فما حدثنا نصر بن مرزوق ، قال: ثنا الخصيب بن ناصح ، قال: ثنا حماد بن سلمة ، عن داود بن أبي هند ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده: " أن رسول الله -عليه السلام- نهى عن بيع وسلف، وعن شرطين في بيعة".

                                                حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد ، قال: ثنا حماد ، عن أيوب ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع".

                                                حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب ، قال: ثنا حماد بن زيد... فذكر بإسناده مثله.

                                                [ ص: 38 ] حدثنا أبو أمية، قال: ثنا محمد بن الفضل ، قال: ثنا حماد بن زيد ... ، فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور ، قال: ثنا الهيثم بن جميل ، قال: ثنا هشيم ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال: نهى رسول الله -عليه السلام- عن شرطين في بيع، وعن سلف وبيع". .

                                                حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا عبد الله بن رجاء الغداني، قال: أنا همام ، عن عامر الأحول ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي -عليه السلام- مثله.

                                                حدثنا يونس، قال: أخبرني عبد الله بن نافع ، عن داود بن قيس ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده: "أن النبي -عليه السلام- نهى عن بيع وسلف".

                                                قالوا: فالبيع في نفسه شرط، فإذا شرط فيه شرط آخر فقد صار شرطين في بيع؛ . فهذا هو الشرطان المنهي عنهما عندهم المذكورين في هذا الحديث.

                                                التالي السابق


                                                ش: هذا بيان استدلال الفرقة الثانية من أهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه من فساد البيع وفساد الشرط، وقد استدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، فإنه يدل على أن البيع بالشرط غير جائز، وفسروا قوله -عليه السلام-: "وعن شرطين في بيع"، وقوله: "ولا شرطان في بيع" بأن البيع في نفسه شرط، فإذا شرط فيه شرط آخر فقد صار شرطين في بيع.

                                                ويفهم من هذا أن كل بيع يشرط فيه شرط واحد يطلق عليه أنه بيع فيه شرطان، وبهذا نرد على قول بعض الحنابلة في نهيه -عليه السلام- عن شرطين في بيع: أن هذا يدل بمفهومه على جواز الشرط الواحد؛ وذلك لأن الشرط الواحد حيث ما يكون في البيوع يطلق عليه أن فيه شرطين، ولا يتصور حينئذ إطلاق شرط واحد فقط فضلا عن أن يحكم بجوازه، فافهم؛ فإنه موضع دقيق.

                                                [ ص: 39 ] ثم إنه أخرج الحديث المذكور من سبعة طرق:

                                                الأول: عن نصر بن مرزوق ، عن الخصيب - بفتح الخاء المعجمة - بن ناصح الحارثي ، عن حماد بن سلمة ، عن داود بن أبي هند دينار البصري ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي -عليه السلام-.

                                                وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا عبد الأعلى، ثنا حماد النرسي، ثنا حماد بن سلمة ، عن داود بن أبي هند ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده: "أن النبي -عليه السلام- نهى عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وبيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم تضمن".

                                                فإن قيل: ما حالة هذا الإسناد؟

                                                قلت: جيد حسن، بل صحيح؛ لأن الترمذي لما أخرجه قال: هذا حديث حسن صحيح.

                                                الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود ، عن حماد بن سلمة ، عن أيوب السختياني ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده، عن النبي -عليه السلام-.

                                                وأخرجه أبو داود: ثنا زهير بن حرب، قال: ثنا إسماعيل ، عن أيوب، قال: حدثني عمرو بن شعيب، قال: حدثني أبي، عن أبيه، حتى ذكر عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله -عليه السلام-: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك".

                                                الثالث: عن إبراهيم أيضا، عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ... إلى آخره.

                                                [ ص: 40 ] وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا كامل بن طلحة، ثنا حماد بن زيد وحماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله -عليه السلام- نهى عن سلف وبيع، وشرطين في بيع، وربح ما لم تضمن، وبيع ما ليس عندك".

                                                الرابع: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي ، عن محمد بن الفضل عارم شيخ البخاري ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن عمرو بن شعيب .

                                                وأخرجه النسائي: ثنا زياد بن أيوب، نا ابن علية، نا أيوب، نا عمرو بن شعيب، حدثني أبي، عن أبيه، حتى ذكر عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله -عليه السلام-: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن".

                                                الخامس: عن الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي ، عن الهيثم بن جميل الحافظ نزيل أنطاكية، عن هشيم بن بشير ، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي الكوفي ، عن عمرو بن شعيب ... إلى آخره.

                                                السادس: عن محمد بن خزيمة بن راشد ، عن عبد الله بن رجاء الغداني عن همام بن يحيى ، عن عامر بن عبد الواحد الأحول البصري ، عن عمرو بن شعيب ... إلى آخره.

                                                السابع: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن نافع الصائغ شيخ الشافعي ، عن داود بن قيس الفراء الدباغ ، عن عمرو بن شعيب ... إلى آخره.

                                                وأخرجه الترمذي ، وابن ماجه أيضا.

                                                وهذه الطرق كلها صحاح، ورجالها ثقات قد تكرر ذكرهم.

                                                قوله: "لا يحل سلف وبيع" مثاله أن تقول: أبيعك هذه السلعة بكذا على أن تسلفني في متاع أبيعه منك إلى أجل، أو تقول: أبيعك بكذا على أن

                                                [ ص: 41 ] تقرضني كذا، ويكون معنى السلف: القرض، وذلك فاسد؛ لأنه إنما يقرضه على أن يحاسبه في الثمن، فقد حل الثمن في حد الجهالة، ولأن "كل قرض جر نفعا فهو ربا".

                                                قوله: "ولا شرطان في بيع" أي: ولا يحل شرطان في بيع، وقد مر الكلام فيه عن قريب.

                                                قوله: "وبيع ما ليس عندك" يريد العين لا تبع للصفة؛ لأن المسلم فيه بيع ما ليس عند البائع في الحال وهو جائز بالصفة، وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر، وذلك مثل أن يبيعه عبده الآبق أو جمله الشارد.

                                                قوله: "وعن ربح ما لم تضمن" وهو أن يبيعه سلعة عند اشترائها ولم يكن قبضها، فهو على ضمان البائع الأول ليس من ضمانه، فهذا لا يجوز بيعها حتى يقبضها فتكون من ضمانه.




                                                الخدمات العلمية