الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5150 ص: وكان من الحجة لأبي حنيفة على أبي يوسف ومحمد في حديث ابن عمر أنه قد يجوز أن يكون النبي -عليه السلام- رده وهو ابن أربع عشرة سنة لا أنه غير بالغ، ولكن لما رأى من ضعفه، وأجازه وهو ابن خمس عشرة سنة، ليس لأنه بالغ، ولكن لما رأى من جلده وقوته، وقد يجوز أن يكون رسول الله -عليه السلام- ما علم كم سنه في الحالين جميعا، وقد فعل رسول الله -عليه السلام- في سمرة بن جندب ما يدل على هذا أيضا.

                                                حدثنا أحمد بن مسعود الخياط ، قال: حدثنا محمد بن عيسى الطباع، قال: ثنا هشيم ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه ، عن سمرة بن جندب ، أن أمه - وكانت

                                                [ ص: 209 ] امرأة من فزارة ، فذهبت به إلى المدينة وهو صبي، وكثر خطابها وكانت امرأة جميلة، فجعلت تقول: لا أتزوج إلا من تكفل لي بابني هذا فتزوجها رجل على ذلك، فلما فرض النبي -عليه السلام- لغلمان الأنصار ، لم يفرض له كأنه استصغره، فقال: يا رسول الله لقد فرضت لصبي أنا أصرعه ولم تفرض لي، قال: صارعه، فصرعه، ففرض له النبي -عليه السلام-
                                                فلما أجاز رسول الله -عليه السلام- سمرة بن جندب لما صارع الأنصاري، لا لأنه قد بلغ، احتمل أن يكون كذلك أيضا ما فعل في ابن عمر أجازه حين أجازه لقوته لا لبلوغه، ورده حين رده لضعفه لا لعدم بلوغه، فانتفى بما ذكرنا أن يكون في ذلك حجة لأبي يوسف لاحتماله ما ذهب إليه أبو حنيفة؛ ؛ لأن أبا حنيفة لا ينكر أن يفرض للصبيان إذا كانوا يحتملون القتال ويشهدون الحرب وإن كانوا غير بالغين.

                                                التالي السابق


                                                ش: هذه إشارة إلى الجواب عما احتج به أبو يوسف ومحمد في بلوغ الصبي بالسن خمسة عشر سنة من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-] نصرة لأبي حنيفة .

                                                بيانه: أن حديث ابن عمر لا يتم به الاستدلال على ذلك من وجهين:

                                                الأول: أنه يحتمل أن يكون رد النبي -عليه السلام- إياه وهو ابن أربع عشرة سنة لا لأجل أنه غير بالغ، بل لكونه ضعيفا لا يقدر على القتال، وإجازته له وهو ابن خمس عشرة سنة لا لأجل أنه بالغ؛ بل لكونه جلدا قويا على القتال.

                                                الثاني: يحتمل أن النبي -عليه السلام- ما علم سن عبد الله في الحالين جميعا، لا في وقت كون عمره ابن أربع عشرة سنة، ولا في وقت كونه ابن خمس عشرة سنة، والدليل على هذا: قصة سمرة بن جندب، وهي ظاهرة، فإذا كان الأمر كذلك لا يكون لأبي يوسف ومحمد حجة على أبي حنيفة في الاستدلال بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.

                                                وأخرج حديث سمرة بإسناد صحيح: عن أحمد بن مسعود الخياط ببيت المقدس شيخ الطبراني أيضا، عن محمد بن عيسى بن نجيح البغدادي أبي جعفر الطباع شيخ أبي داود والبخاري في التعليقات، وثقه النسائي وابن حبان .

                                                [ ص: 210 ] عن هشيم بن بشير ، عن عبد الحميد بن جعفر أبي حفص المدني، وثقه يحيى والنسائي وروى له الجماعة البخاري مستشهدا، عن أبيه جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي المدني، روى له الجماعة غير البخاري .

                                                وأخرجه الطبراني في "الكبير": ثنا محمد بن عبدوس بن كامل السراج، ثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي، ثنا هشيم، أنا عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه: "أن أم سمرة بن جندب مات عنها زوجها وترك ابنه سمرة، وكانت امرأة جميلة فقدمت المدينة فخطبت، فجعلت تقول: لا أتزوج رجلا إلا رجلا يتكفل لها بنفقة ابنها سمرة حتى يبلغ، فتزوجها رجل من الأنصار على ذلك وكانت معه في الأنصار، وكان النبي -عليه السلام- يعرض غلمان الأنصار في كل عام فمن بلغ منهم بعثه، فعرضهم ذات عام فمر به غلام فبعثه في البعث، وعرض عليه سمرة من بعده فرده، فقال سمرة: يا رسول الله أجزت غلاما ورددتني ولو صارعني لصرعته؟! قال: فدونك فصارعه، قال: فصرعته، فأجازني في البعث".

                                                قوله: "إن أمه" ذكرها ابن الأثير في الصحابيات ولم يسمها.

                                                قوله: "فتزوجها رجل" قال ابن الأثير: كان من الأنصار، واسمه مري بن شيبان بن ثعلبة، وكان سمرة في حجره إلى أن صار غلاما.

                                                قوله: "فلما فرض النبي -عليه السلام-" أي: فلما قدر لغلمان الأنصار أنصباء من الغنيمة ليخرجوا ويقاتلوا معه الكفار.

                                                ودل ذلك على أن الإمام له أن يفرض للصبيان إذا قدروا على القتال ولا يشترط البلوغ في ذلك، فكم من صبي جلد قوي يقدر على ما لا يقدر عليه البالغ، والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية