الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5216 ص: وقد خالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: قد كان لهم سهم على عهد رسول الله -عليه السلام- وهو خمس الخمس، وكان لرسول الله -عليه السلام- أن يضعه فيمن شاء منهم.

                                                [ ص: 299 ] وذكروا في ذلك ما حدثنا محمد بن بحر بن مطر ، وعلي بن شيبة البغداديان، قالا: ثنا يزيد بن هارون ، قال: أنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن جبير بن مطعم ، قال: لما قسم رسول الله -عليه السلام- سهم ذوي القربى أعطى بني هاشم وبني المطلب ، ولم يعط بني أمية شيئا، فأتيت أنا وعثمان -رضي الله عنه- رسول الله -عليه السلام- فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم ، فضلهم الله بك فما بالنا وبنو المطلب ؟ وإنما نحن وهم في النسب شيء واحد؟! فقال: إن بني المطلب لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام".

                                                قالوا: فلما أعطى رسول الله -عليه السلام- ذلك السهم بعض القرابة وحرم من قرابته منهم كقرابتهم؛ ثبت بذلك أن الله - عز وجل - لم يرد بما جعل لذوي القربى كل قرابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإنما أراد خاصا منهم، وجعل الرأي في ذلك إلى رسول الله -عليه السلام- يضعه فيمن شاء منهم، فإذا مات فانقطع رأيه انقطع ما جعل لهم من ذلك، كما جعل لرسول الله -عليه السلام- أن يصطفي من المغنم لنفسه سهم الصفي فكان ذلك له ما كان حيا يختار لنفسه من المغنم ما شاء، فلما مات انقطع ذلك.

                                                وممن ذهب إلى القول: أبو حنيفة 5 وأبو يوسف ، ومحمد ، - رحمهم الله -.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن المسيب وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا وزفر وأحمد في رواية وبعض المالكية، فإنهم قالوا: كان لذوي القربى سهم في زمن النبي -عليه السلام- وهو خمس الخمس، وكان أمره مفوضا إلى رسول الله -عليه السلام- يضعه فيمن شاء منهم.

                                                قال أبو بكر الجصاص: اختلف في سهم ذوي القربى، فقال أبو حنيفة في "الجامع الصغير" : يقسم الخمس على ثلاثة أسهم: للفقراء والمساكين وأبناء السبيل. وروى بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة قال: خمس الله والرسول واحد، وخمس ذي القربى لكل صنف سماه الله في الآية: خمس الخمس.

                                                وقال الثوري: سهم النبي -عليه السلام- هو خمس الخمس، وما بقي فللطائفة التي سمى الله تعالى.

                                                [ ص: 300 ] وقال مالك: يعطى من الخمس أقرباء رسول الله -عليه السلام- على ما يرى ويجتهد.

                                                وقال الأوزاعي: خمس الغنيمة لمن سمي في الآية.

                                                وقال الشافعي: يقسم سهم ذي القربى بين غنيهم وفقيرهم.

                                                قوله: "وذكروا في ذلك" أي: ذكر هؤلاء القوم الآخرون فيما ذهبوا إليه حديث جبير بن مطعم -رضي الله عنه-.

                                                وأخرجه بإسناد صحيح.

                                                وأخرجه البخاري في كتاب "الجهاد": ثنا عبد الله بن يوسف، نا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، عن جبير بن مطعم قال: "مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله -عليه السلام- فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله -عليه السلام-: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد". قال الليث: حدثني يونس وزاد: "قال جبير: ولم يقسم النبي -عليه السلام- لبني عبد شمس ولا لبني نوفل".

                                                وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم.

                                                وأخرجه البخاري أيضا في "مناقب قريش" وفي "المغازي": عن يحيى بن بكير نحوه.

                                                وأخرجه أبو داود: ثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن عبد الله بن المبارك ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، قال: أخبرني جبير بن مطعم ... إلى آخره نحوه.

                                                [ ص: 301 ] وأخرجه النسائي في "قسم الفيء": عن ابن مثنى ، عن يزيد بن هارون ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسبب ... نحوه.

                                                وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن شعيب بن يحيى ، عن نافع بن يزيد ، عن يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب نحوه.

                                                قوله: "أعطى بني هاشم" وهم آل عبد المطلب؛ وذلك لأن هاشما لم يعلم له ولد غير عبد المطلب، وولد لعبد المطلب عبد الله أب النبي -عليه السلام- على عمود النسب، وولد له خارجا عنه جميع أعمام رسول الله -عليه السلام-.

                                                وبنو المطلب هم المطلبيون ومنهم الشافعي -رضي الله عنه-؛ وذلك لأن عبد مناف ولد له هاشم على عمود النسب، وولد له خارجا عنه عبد شمس والمطلب ونوفل، فمن عبد شمس: أمية، ومنه بنو أمية، ومنهم عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ، ومعاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية ، وسعيد بن العاص بن أمية ، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية ، وعتبة بن أبي ربيعة بن عبد شمس .

                                                ومن المطلب المطلبيون، ومن نوفل النوفليون.

                                                قوله: "وإنما نحن وهم في النسب شيء واحد" وكان يحيى بن معين يرويه: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب سيء واحد" بالسين المهملة أي: مثل سواء، يقال هذا سيء هذا: أي مثله.

                                                وأراد بهذا الكلام الحلف الذي كان بين بني هاشم وبني المطلب في الجاهلية.

                                                وجاء في رواية أخرى: "إنا لم نفترق في جاهلية ولا إسلام".

                                                وقال الجصاص: هذا الحديث يدل من وجهين على أن ذا القربى غير مستحق للقرابة فحسب:

                                                أحدهما: أن بني عبد المطلب وبني عبد شمس في القرب من النبي -عليه السلام- سواء،

                                                [ ص: 302 ] فأعطى بني المطلب ولم يعط بني عبد شمس، ولو كان مستحقا بالقرابة لساوى بينهم.

                                                والثاني: أن فعل النبي -عليه السلام- خرج مخرج البيان لما أجمل في الكتاب من ذكر ذي القربى، وفعل النبي -عليه السلام- إذا ورد على وجه البيان هو على الوجوب، فلما ذكر النبي -عليه السلام- النصرة مع القرابة دل على أنه مراد الله تعالى، فمن لم يكن له منهم نصرة فإنما يستحقه بالفقر.




                                                الخدمات العلمية