الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 5241 ص: وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لِلْآخَرِينَ عَلَيْهِمْ: أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ أَرْضَ السَّوَادِ لَوْ كَانَتْ كَمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى لَكَانَ قَدْ وَجَبَ فِيهَا خُمُسُ اللَّهِ بَيْنَ أَهْلِهِ الَّذِينَ جَعَلَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُمْ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الْخُمُسَ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ السَّوَادِ الَّذِينَ أَقَرَّهُمْ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَدْ صَارُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ وَكَانَ السَّوَادُ بِأَسْرِهِ فِي أَيْدِيهِمْ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مِنْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرُوا، وَهُوَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي ذَلِكَ خُمُسٌ، فَكَذَلِكَ مَا فَعَلَ فِي رِقَابِهِمْ فَمَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ أَقَرَّهُمْ فِي أَرْضِهِمْ وَنَفَى الرِّقَّ عَنْهُمْ، وَأَوْجَبَ الْخَرَاجَ عَلَيْهِمْ فِي رِقَابِهِمْ وَأَرَضِيهِمْ فَمَلَكُوا بِذَلِكَ أَرْضَهُمْ وَانْتَفَى الرِّقُّ عَنْ رِقَابِهِمْ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا بِمَا افْتُتِحَ عَنْوَةً فَيَنْفِي عَنْ أَهْلِهَا رِقَّ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْ أَرَضِيهِمْ مِلْكَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، وَيُوجِبُ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا، وَيَضَعُ عَلَيْهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَضْعُهُ مِنَ الْخَرَاجِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بِحَضْرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-. وَاحْتَجَّ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لِذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ثُمَّ قَالَ: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ فَأَدْخَلَهُمْ مَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْأَنْصَارَ، فَأَدْخَلَهُمْ مَعَهُمْ. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ فَأَدْخَلَ فِيهَا جَمِيعَ مَنْ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَيَضَعَهُ حَيْثُ رَأَى وَضْعَهُ مِمَّا سَمَّى اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي هَذِهِ السُّورَةِ. فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. شرح معاني الآثار ش: هَذَا جَوَابٌ عَنِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: "وَاحْتَجَّ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لِذَلِكَ..." إِلَى آخِرِهِ، لَمَّا فَتَحَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الْعِرَاقَ سَأَلَهُ قَوْمٌ مِنَ الصَّحَابَةِ قِسْمَتَهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، مِنْهُمُ: الزُّبَيْرُ وَبِلَالٌ وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَ: إِنْ قَسَمْتُهَا بَيْنَهُمْ - يَعْنِي النَّاسَ - بِلَا شَيْءٍ لَهُمْ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ - أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى:مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ وَشَاوَرَ عَلِيًّا وَجَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- فِي ذَلِكَ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْقِسْمَةِ وَأَنْ يُقِرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا وَيَضَعَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ؛ فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَوَافَقَتْهُ الْجَمَاعَةُ عِنْدَ احْتِجَاجِهِ بِالْآيَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَأَنَّهَا مَضْمُومَةٌ إِلَى آيَةِ الْغَنِيمَةِ فِي الْأَرَضِينَ الْمُفْتَتَحَةِ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ يَدَّعِي انْتِسَاخَ هَذِهِ الْآيَةِ، فَافْهَمْ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَتَيْنِ بِمَجْمُوعِهِمَا: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ فِي الْأَمْوَالِ سِوَى الْأَرَضِينَ، وَفِي الْأَرَضِينَ إِذَا اخْتَارَ الْإِمَامُ ذَلِكَ، وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الْأَرَضِينَ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِنِ اخْتَارَ تَرْكَهَا عَلَى مِلْكِ أَهْلِهَا، وَيَكُونُ ذِكْرُ الرَّسُولِ هَا هُنَا لِتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَى اللَّهِ فِي صَرْفِهِ إِلَى مَنْ رَأَى، فَاسْتَدَلَّ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مِنَ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ وَقَالَ: لَوْ قَسَمْتُهَا بَيْنَهُمْ لَصَارَتْ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ، وَقَدْ جَعَلَ فِيهَا لَهُمُ الْحَقَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ حُكْمُ دَلَالَةِ الْآيَةِ وَمُوَافَقَةُ جُلِّ الصَّحَابَةِ عَلَى إِقْرَارِ أَهْلِهَا وَوَضْعِ الْخَرَاجِ؛ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَمَسَحَا الْأَرَضِينَ وَوَضَعَا الْخَرَاجَ عَلَى الْأَوْضَاعِ الْمَعْلُومَةِ، وَوَضَعَا الْجِزْيَةَ عَلَى الرِّقَابِ، وَجَعَلَاهُمْ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ: اثْنَيْ عَشَرَ، وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ لَمْ يَتَعَقَّبْ فِعْلَهُ هَذَا أَحَدٌ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِالْفَسْخِ، فَصَارَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية